أقلام النهار

التطبيع .. نحو حوارٍ عقلاني !(1)- تحليل سياسي : محمد لطيف

رغم غياب المعلومات .. ما يزال الجدل يحتدم حول موضوع التطبيع مع اسرائيل .. والبعض يفترض أن ثمة مسلمات تاريخية .. غير مسموحٍ حتى بإدارة نقاش حولها .. وأن هذه المسلمات تلزم الشعب السودانى أن يظل رافعا شعار أن .. اسرائيل هي العدو.. دون نقاش .. ودون النظر حتى فى المبررات التى جعلت العالم العربي كله .. ذات يوم .. ملتفا حول ذلك الشعار .. قبل أن تتساقط دوله كحبيبات المسبحة .. واحدة تلو الأخري .. وفي هذا .. وفى نظر هؤلاء .. فالشعب السوداني .. ليس مسموحا له حتى بإعادة قراءة خارطة هذا العالم العربي .. والنظر فى التطورات الكثيرة التى شهدته .. ثم النظر في مصالحه هو .. لا مواقف وإشتراطات الآخرين .. وإرتباطاتهم .. وفى المقابل فالبعض الآخر .. على يقين بأن المسلمات التاريخية التي ما انفك يلوح بها ذلك البعض قد سقطت .. إن لم يكن من عهد كامب ديفيد فمن زمن اوسلو .. كانت أضخم مترتبات كامب ديفيد على الصعيد العربي .. إنتقال الجامعة العربية من القاهرة الى تونس .. فأين هي الجامعة الآن ..؟ وكانت أضخم مترتبات اوسلو قيام دولة فلسطينية معترفة باسرائيل .. شاركت في حكم هذه الدولة حتى حماس .. فماذا بقي إذن من تلك المسلمات ..؟ فالخلاف قد اضحى إختلاف مقدار .. لا خلاف مباديء .. الفلسطينيون انفسهم منقسمون حول التعامل مع اسرائيل .. فتح فى ضفة .. و حماس فى الضفة الأخري .. وحتى داخليا .. فالحزب الواحد ينقسم على نفسه ايضا .. فلنأخذ حزب الأمة نموذجا .. ودعونا من الجدل الذى يشتجر حينا بعد حين حول صلات قديمة للحزب مع اسرائيل .. لأسباب قدرها فى حينه .. فلحزب الأمة اليوم موقفين .. موقف يمثله زعيمه الإمام الصادق المهدى .. والذى يتحفظ على العلاقة مع اسرائيل .. فالبعض .. يعتقد ايضا .. أن موقف الإمام ليس مبدئيا .. بمعنى أنه لا يحمل نصوصا قطعية الدلالة يلوح بها فى وجه المنادين بالتطبيع .. بل يرى هذا البعض .. أن الإمام .. الأكثر قدرة على المناورة بين الساسة السودانيين .. وعلى المزاوجة بين المواقف المتناقضة .. ربما يكون محكوما بعلاقاته الخاصة مع ايران .. اكثر من تبنيه موقفا عقديا أو آيديولجيا ضد التطبيع .. بقدرما هي السياسة وحساباتها .. وما يؤكد أن المسألة .. محض سياسة .. تحكمها مواقف واعتبارات لا صلة لها بالدين .. هو أنه لا الإمام ولا حزبه يستطيع الآن أن يتهم السيد مبارك الفاضل .. ابن عم الإمام وحفيد المهدي .. بالخروج عن الملة .. رغم إنه يضع نفسه على رأس قاطرة التطبيع ..!
وللرافضين للتطبيع قائمة طويلة .. يشهرونها فى وجه كل من ينادى به .. القائمة تلك تضم .. على سبيل المثال لا الحصر .. مصر والأردن .. وبعض دول المغرب العربي .. و الدولة الفسطينية فى اريحا .. والحجة التى يشهرها هؤلاء مع قائمتهم تلك .. أن كل الدول التى طبعت مع اسرائيل لم تحقق أي مكاسب تذكر .. وأن اسرائيل قد أخلت بكل العقود والمعاهدات التى وقعت عليها مع العرب .. !
فإذا أخذنا فى الإعتبار هذه الحجة التي .. يزايد بها الكثيرون .. لتطبيقها على حالة السودان .. فالسؤال الذى يفرض نفسه إبتداءا هو .. ما هو البند الذى يخشي هؤلاء أن تخل به اسرائيل فى إتفاقها مع السودان حال وقوع ذلك الإتفاق .. ؟ و الإجابة تدفعنا للنظر مليا فى ذلك العقد الإفتراضي .. الذى يخشي البعض ألا تلتزم به اسرائيل .. هل يلزم اسرائيل بالإنسحاب من القدس الشرقية ..؟ هل يلزم اسرائيل بالعودة لما وراء حدود 1967 ..؟ هل يلزم اسرائيل بالسماح بعودة عرب 48 وكل اللاجئين الفلسطينيين فى الشتات ..؟ للأسف الإجابة على كل هذه الأسئلة تتلخص في .. حرفين وكلمة واحدة .. لا ..!
إذن .. الحقيقة التي يجهلها البعض .. ويتجاهلها البعض الآخر .. أنه لا بنود ملزمة لأي من الطرفين في معاهدة التطبيع المقترحة هذه .. أما الحقيقة الكبرى فهي أن هذه البنود موجودة في مسار آخر .. يبعد آلاف الأميال عن تل ابيب .. إنها مع واشنطن .. واشنطن التى قدمت للخرطوم مصفوفة تتضمن .. تسعة بنود .. لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب .. والمفارقة أن مصفوفة التسع خطوات هذه تلتزم واشنطن بتنفيذ ثلثيها .. بينما ينفذ السودان الثلث فقط ..!
فالي الغد .