أقلام النهار

أخجلوا يا .. جلابة !!- تحليل سياسي : محمد لطيف

حين كان النظام السابق يجير كل موارد الدولة لتمويل الحروبات التى غطت جل أرجاء السودان .. لم يكن المراقب يسمع صوتا واحدا يرتفع محتجا على ذلك .. ولكن حين نجحت السلطة الإنتقالية الآن فى الوصول الى تسوية سياسية .. لها كلفتها ولا شك .. لصالح المناطق المتضررة بالنزاعات .. بدأت بعض الأصوات (النشاز) ترتفع الآن .. توقد نيران العنصرية والجهوية والقبلية .. ضد ما تري أنها مكاسب غير مستحقة لتلك المناطق .. يتحدث البعض عن أن الحكومة غير مفوضة للدخول فى مثل هذه الإلتزامات .. وينسون أو يتناسون .. أو هم يجهلون أصلا .. أن الوثيقة الدستورية التى تحكم السودان الآن .. و التي يطالبون هم أنفسهم السلطة الإنتقالية الإلتزام بها .. قد وضعت تحقيق السلام .. على رأس مهام الحكومة الإنتقالية .. ولا شك أن المشرع الذى صاغ تلك الوثيقة .. والشعب الذى باركها من بعده .. كانوا يعلمون أن للسلام فروض وواجبات .. يجب أن تؤدى .. وإلتزامات وإستحقاقات .. يجب أن توفى .. فمن أين جاء هذا الزعم البائس بعدم إختصاص السلطة الإنتقالية فى تحقيق السلام ..؟!
ثم راح البعض مدعيا فى غير ما حق .. أنه يتحدث بإسم الشمال .. وأن الشمال مظلوم .. ولو أن هذا البعض قد وقف عند حد أن الشمال مظلوم وأنه يستحق ما يدعم مواطنه ويوفر له الحياة الكريمة .. لبارك الناس مسعاه .. وأمنوا على مطالبه .. وسعوا معه لتحقيقها ما وسعتهم الحيلة .. أما أن يتحول بعض هذا البعض الى .. نائحة مستأجرة .. تندب حظ الشمال .. الذى يتهيأ ابناء دارفور لنهب ثرواته .. فهذا هو المدهش والمحير والمؤسف حقا ..أما المذهل فقول بعضهم .. ما الفرق بين الشمال ودارفور ..؟ إنه ذات الفقر .. وأنها ذات المعاناة ..؟ !!
هذا قول إن لم يكن مجحفا .. فهو في حده الأدنى مخل جدا بالحقائق .. بل يكشف أن البعض يهرف بغير ما يعرف .. الأسوأ من ذلك .. والمحزن .. أن هذه الحملة التى تنطلق بـ ( عناية وخبث ) قد كشفت أن للبعض تصور مبتسر وشائه عن المعاناة ..ويُسأل هؤلاء .. ما إذا كان واحدهم قد زار القرى المحروقة فى دارفور .. ووقف على الأطلال .. المجللة بالعار وآثار الحرائق .. وهل سمع أحدهم نواح ثكلي وقد إستيقظت على أزيز الأنتينوف يصب علي مسكنها جام حممه .. ليصبح عليها الصبح ونصف أطفالها قتلى والنصف الآخر مفقود ..؟
و هل استمع أحدهم الى أنين الأرامل فى معسكرات النزوح .. وقد فقدن .. لا عائلهن فحسب .. بل حتى ابسط مقومات الحياة .. مأوى يحفظ لها خصوصيتها ..؟ هل استمع أحدهم الى مزارع دارفورى يحكى كيف أحرقوا زرعه .. وقتلوا نجله .. وصادروا ضرعه .. وأخرجوه من أرضه هائما فى الصحارى ..؟ لسنا فى معرض من فعل ومن لم يفعل .. بل نحن بصدد عرض الحقائق .. كما جرت على الأرض .. وشهد بها العالم قاطبة .. فلعل الناعقون اليوم بغياب العدالة فى اتفاقيات السلام يرعوون .. ويثوبون الى رشدهم ..؟
فهل وحدها دارفور ..؟ كلا بالطبع .. فحين نتضجر نحن فى الشمال .. إحتجاجا على إنقطاع التيار الكهربائي عن دورنا ومكاتبنا .. كانت قري حزام سد الروصيرص ..وهي التى تقع على بعد بضع كيلومترات فقط من السد .. لا تعرف أصلا كيف هى هذه الكهرباء ..! أفلا تستحون أيها النائحون ..؟ أما عن الشرق فحدث ولا حرج .. سيقولون لك الميناء فى الشرق .. ولكن أسال نفسك ما علاقة اهل الشرق الحقيقيين بالميناء .. اليسوا هم وقود الكلات وعمال التراحيل ..؟ وآخرون هم السادة والأباطرة والمتحكمون ..؟ حتى إيلا حين جاء بمشروع نهضته .. نفذها للأسف برؤيته هو لا رؤية اهل الشرق .. فاصبحت مشروعا يخدم التنظيم والقبيلة و العشيرة ..!
فما لكم كيف تحكمون ..؟!!!!!