أقلام النهار

كل المواسم- الشرطة مابين الفعل ورد الفعل- عميد شرطة /د. محمد حمزة حسب البارئ حمزة

 

تعمل الشرطة في كل دول العالم على تطبيق مهام عمل يمكن أن تتطابق من حيث الأهداف الكلية مع وجود إختلافات غير جذرية هنا وهناك وفقا لقوانين تلك الدول والكثير من المتغيرات الأخرى .
الشرطة في السودان ظلت تعمل علي مدي قرن من عمر الزمان وفق إستراتيجيات تكاد أن تكون متطورة بإستمرار وفق المتغيرات ولكنها تحتاج للتحديث بما يواءم متطلبات العصر الحديث .
البعض يكاد أن يحصر دور الشرطة
(بالإتفاق) فقط في العمل الوقائي المنعي ثم العمل الكشفي للجرائم وتطوير العمل الخدمى وهو عمل أساسى لا غنى عنه ولكن !!!
الشرطة في السودان وفق منظور المستقبل تحتاج الى تغيير فى الإستراتيجيات يمكن العمل على رسمها فى هذه المرحلة الهامة من عمر البلاد (مرحلة البناء) بما يشمل تطوير فى أساليب التكتيكات على الأرض بما يواكب الأهداف .
الشرطة فى دول العالم المتحضر فى مجالات أخرى ماعادت تنتظر الاحداث (الأفعال) ثم تكون كل جاهزيتها للتعامل مع ماتنتجه تلك الأحداث (ردود الأفعال) كما هو الحال هنا ،
بل صار لها نهج ثابت وراسخ يجعلها كجهة أمنية إستشارية فنية ( لها شراكة) فى إتخاذ القرارات
التى تمس عملها الأمنى المباشر وذلك بما يخرج هذه القرارات بردا وسلاما شكلا ومضمونا ، فى ثوب يحفظ واقعية ومنهجية وعلمية وهيبة ذلك القرار بصورة تمكن من سلاسة تنفيذه بما يحقق الأهداف .
على الأرض موظف في إدارة (بمؤسسة) يمكنه أن يرفع مذكرة لمديره تقضى بزيادة في رسوم خدمة حيوية تقدمها تلك المؤسسة ثم يخرج إعلان بزيادة هذه الرسوم على الملأ فى التوقيت الذى يختاره هو ،أو قرار آخر بإزالة (سكن عشوائي) أو إعادة تخطيط لقرية أو منطقة في توقيت خاطئ من حيث معطيات القراءات الأمنية ،
ماذا سيحدث ؟
سيناهض كل متضرر من هذا القرار (الفعل) بما يراه هو مناسبا ومنهم من يقرر التعبير (رد الفعل) بالخروج للشارع أو للمؤسسة المعنية والتصدى للقرار سلميا أو برد فعل عنيف كالتخريب وإتلاف الممتلكات أو قفل الطرق ووو …
هذه سادتى (ردة الفعل ) للقرار غير المدروس … فأين من إتخذ القرار (الفعل) !!! هل تصدى لردة الفعل ؟ هل جابه مسئوليته فى إتخاذ القرار ؟
بالطبع لا … هو خلف الكواليس تماما وقد تصيبه الدهشة أيضا من ردود الأفعال ،
لا يرى من خرج للشارع غاضبا (بردة الفعل) أمامه ، الإ الشرطة وحدها تمثل السلطة الرسمية وتقف أمامه وكأنها تدافع عن ذلك القرار المعيب شكلا أو مضمونا … لا يرى الشخص الغاضب أمامه بالطريق الإ رجل الشرطة … الذى لم يخرجه صدور القرار (الفعل) ولا توجد آلية ليلخص من خلالها رأيه (الأمنى المتخصص) لمتخذ القرار (قبل أن تقع الفأس في الرأس) ولكنه أى رجل الشرطة خرج وتصدى (لردة الفعل) بحكم واجبه فى إستتباب الأمن ومنع التخريب والحفاظ علي السلامة العامة … فحصد بذلك كل الكراهية والغل وكل مانتج من مشاعر سالبة نتيجة (الفعل) وهنا ينبغى أن يستوعب التدريب الشرطى كل ذلك وغيره للتعامل وفق رؤية إستراتيجية …
مثال آخر حى لذلك ظهرت سلبياته فى نتائج تطبيق خطة تأمين إحتفالات رأس السنة الميلادية ٢٠١٩م بولاية الخرطوم … حيث صدر قرار (فعل) قبل ساعات من الإحتفالية السنوية التى تنتظم ولاية الخرطوم فى كل عام (كانت الشرطة بعيدة من كواليس إتخاذ القرار أو العلم به)… كانت فحوى القرار الغاء الإحتفالات برأس السنة الميلادية بالولاية لأسباب ومبررات ضمنت بالقرار … كانت شرطة ولاية الخرطوم وكل الوحدات المشاركة قد أعدت خطتها للتأمين سلفا قبل صدور هذا القرار وبالطبع تستصحب معها القدر الذي يكفى من المرونة لتعديل تلك الخطط وفق المتغيرات … ولكن ماذا حدث !!!
النتيجة (رد الفعل) … حشد غير مسبوق بمكان واحد (ساحة الحرية _ الساحة الخضراء سابقا) والمنطقة المحيطة بها … نقل هذا القرار كل هذه الحشود البشرية (بكافة الفئات المجتمعية) بما فيها (معتادى الإجرام والسرقات والنشل وغيرهم) من كافة محليات الولاية لهذا الموقع المفتوح المكشوف والمكتظ وكانت الإحتفالات فى السنوات السابقة تتوزع جغرافيا بمحليات الولاية المختلفة مما يسهل من عمليات التامين والمراقبة وتنفيذ الخطط … وهو ما جعل بعض الأصوات بوسائط التواصل الإجتماعى تشير بأصابع الإتهام مباشرة لتواطؤ الشرطة وأنها كانت تؤمن مثل هذه الإحتفاليات بصورة ممتازة، ونسوا أو تناسوا أن هذا الحشد تم بصورة وجدت الشرطة نفسها فى تعاملها معه أمام الأمر الواقع، بوجود كل هذه الكتل البشرية في مكان واحد (نتيجة القرار) مما صعبت معه الحركة والمرور والسيطرة الأمنية والمراقبة … ووضع تحديات كبيرة أمامها فى تنفيذ دورها الأساس وهو توفير الأمن والسلامة لكل هذه الحشود … ورغم ذلك وبدراسة إحصائية للمخرجات خرجت الشرطة بالإحتفالية وذلك من خلال تعظيم مبدأ الخروج بأقل الخسائر (لا موت أو فقدان فى الأرواح) وإنحصرت الآثار فى بعض السلوكيات السالبة وبعض حوادث السرقات والنشل . ومن المعلوم أن وسائل التدرج فى إستخدام القوة عند حدوث التفلتات الأمنية لن تجدى فتيلا … كمثال فقط كيف تستخدم (الغاز المسيل للدموع حتى الوصول للذخيرة الحية) وسط كل هذه الحشود وأين التكافؤ من حيث العدد المناسب للسيطرة الأمنية ؟ وأين هى وسائل التكنولوجيا ؟ وكيف يمكن إستخدامها فى السيطرة والتحكم ؟
بإختصار وجدت الشرطة نفسها فى وضع أمني تتحمل كامل مسئوليته نتيجة (فعل) أو قرار أتخذ بمنأى عن الرؤية الأمنية ولم يستصحب تداعيات ذلك.
إذن ماهى الحلول ؟ كيف تساهم الشرطة فى رسم القرار (الفعل) كجهة إستشارية من ناحية فنية متخصصة دون التدخل المباشر والكامل في تفاصيله الموضوعية ؟
الشرطة قد تكون لها رؤية أمنية حول توقيت إصدار القرارات فقط دون التدخل في دواعيها أو تفاصيلها ، والحل يكمن فى إنشاء مركز أو مجلس (إستشارى) لدعم إتخاذ القرار فى أعلى هرم السلطة التنفيذية يضم كافة الجهات التى تعنى بإتخاذ وإنفاذ القرارات لتقدم مشروعات مقترحة وقوالب مدروسة للقرارات التى سوف تتخذ من جميع النواحى وقد تشمل النواحى الأمنية والخدمية والإقتصادية والصحية والقانونية والإجتماعية والإعلامية وغيرها ، لكل قرار وإستقراء ما يمكن أن يحدثه من تحولات ومتغيرات وآثاره الإيجابية والسلبية المتوقعة وكيفية التعامل معها ويخلص الى تحديد عدة بدائل ومسارات لمتخذ القرار للمفاضلة بينها ثم ينتشر هذا المجلس جغرافيا بكل الولايات كجسم إدارى (إستشارى) ثابت يمكن إعادة توظيف موارده البشرية دون تكاليف مادية باهظة لأنه جسم تنسيقى يعتمد على إنتداب كل الجهات ذات الصلة لمناديب لهم رقم وظيفى موجود فعلا ليسهموا جميعا فى دعم إتخاذ القرارات لتخرج بالصورة التى تحقق أهداف الدولة الكلية .

error: Content is protected !!