أقلام النهار

حسن فضل المولى يكتب : عبدالعال السيد .. وَجَع الغُرْبَة ..

( أنا حَظِي كِدَه
عايش أحزان
وهموم فنان
وخُطايا تضيع
في الدنيا سُدى )..

من غيره يقضي لياليه ، وهو يتوسد جمر الإنتظار ، ويكابد الأشواق ، في ليل الغربة الموحش ، فيستحيل نغماً شجياً مُوجِعاً ، ( وحالة ) من اللوعة ،
والإحتراق ..
وهو الوديع
الأنيس
الرقيق
اللطيف
الحساس ..
إنه الحَبِيِب الحِبِيِيِب ( عبدالعال السيد ) ..
وأنا ماذكرته ، إلا وغشيتني راحة ، ولفحتني نسمة تتريث في فؤادي ..
وماحزبني شوق ، أوعصف بي حنين وهزني فَقْدٌ ،، إلا ووجدت ضالتي وسلوايَّ فيما يقول ..
( إفتقدتك
افتقدتك يا صبا عمرى وشبابى
افتقدتك لما زاد الشوق عذابي
افتقدتك فى غيابى وفى اغترابي
وافتقدت الابتسامه
والعيون الساحره يوم يسحر كلامها
ويا حبية عمرى فى الدنيا وزحامها
اكتبي لي عن سنينك
واكتبي لي عن مشاغلك
وقولي لي عن أي شي فى
الدنيا شاغلك
واي زول في الدنيا لو سألك عليَّا
قصدو يعرف ايه علاقتك انتِ بيَّا
قولى باكر ايوه راجع جاي ليَّا ) ..

و ( عبدالعال ) ..
على درب النخيل موال ..
وفي ليل الغربة دَمِع هطَّال ..
ويلقاك ببشاشةٍ تَسُر البال ..
فهو ( الحان بِتَطْلَع من حَلِق وتراً
على وش الفَجُر مبحوح
وبطلع من عبير نَفَس الشجر
ومن هدأة الليل البهيم
ومن سواليف السحر
ومن ترانيم البحر ) ..
فكأنما هو أُغْنيةٌ تُحَلِقُ عالياً بجناحين ..
كلامٌ طاعمٌ
ولحنٌ آسرٌ
ونغمٌ ساحرٌ ..

من هذا المزيج ( الرَوْحَانِي )يتشكل ( عبدالعال السيد ) ..
والذي يميزه ، أن قصائده تعكس تفاصيل حياته ..
فإذا قرأت له قصيدة ، و وجدتها تشتعل غضباً، فهذا هو ( عبدالعال )عندما يغضب ..
وإذا صادفتك له قصيدة ، نشوانة طروبة ، فأنت أمام ( عبدالعال ) حينما ينتشي ويطرب ..
وإذا وجدت نفسك أمام كلامٍ معبأٍ بالإحساس والمعزة، فانتظر حتى يطلع لك من خلاله ( عبدالعال ) سَافِر الوجه ، ( فارِد )اليدين ..
( بجيلك ياحبيبي جريح
بجيلك والمغارب نازلة
في الشتا والشوارع ريح
بجيلك مشتاق على صهوة
ونشرب في ضفاف الليل
سُلافة العشرة والقهوة
نلاقي الناس
ملانه إحساس
معزة مأصلة ونخوة
بجيك مليان محنة وعِزْ
ومن الفُرقة دمعي بِنِزْ
في الزمن الرمادي بجيك
ومن كيد الأعادي أحميك
واديك روحي لو يرضيك )..
وإذا أبكاك حُزْنٌ مُقِيم على فقد أحد ، تتراءى لك دموع ( عبدالعال ) الغِزَار ، وهو وهو يبكي رفيقه ( حِميد ) ويرثي صديقه ( مصطفى سيد أحمد ) ..
( بسمع صدى صوتك مزامير
في عشيات الشتا
والريح سوافي
واطرق على بابك أواخر الليل
وانت مافي
وانشد على بابك حزين ( عَزّ المزار )
وكل السنين صارت منافي
واهتف واناديك في سديم الليل
يضيع حسي وهتافي
………..
غابت نهاراتك ولكن ..
لسه صوتك في العروق ياصاحبي
ساكن
لسه صوتك يسري في كل
الأماكن ) ..
وإذا ما وقفت على ماتراه تناقضاً جميلاً واضطراباً لذيذاً في قصيدة فاعلم أن كاتبها عبدالعال وهي بَعْضُه ..
( مُسْتَبِدَّة
فيها رقة
وفيها حِدَّة
فيها حِنِيَّة
وشَقِيَّة
سمحة بس
لكن عَصِيَّة
يلا ياناس
صفقوا لها
يلا أدوها التحية )

و إن من الناس ، من وهبهم الله قدرة فائقة على إخفاء أحزانهم ، والإلتفاف عليها ، وهذه ( الخاصية ) تبدو أكثر جلاءً ونصاعة عند ( عبدالعال السيد ) إذ تكاد تجزم أن هذا الإنسان ، لا تجد الأحزان إلى قلبه سبيلاً ، وما اكتوى يوماً بنار ٍ، أو ذاق المُر ، فتُغْبِطُه على هذا الحال وتتمناه ..
و لكن ما أن تقترب منه ، ليبوح إليك بما يطوي عليه الضلوع ، حتى تجده على نحوٍ مختلف ..
( تسألني عن حالي أنا حالي ما بسرك
حالي العلي يا جميل خليهو فى سرك
أضحك امام الناس وأداري دمعاتي
وأنا ببكي فى جواي بكتم معاناتي
الناس تشوفنى سعيد بِتْمَنُوا بسماتى
يا ريتو لو عارفين همي وعذاباتي
وأنا في انتظار الشوق
راحت صباحاتي )

( عبدالعال ) هو ( عُصَارة ) الغُربة ، وابن ( تصاريفها ) ، وملسوع ( هجيرها ) ، لكنها لم تُجْهِز عليه كما فعلت بالكثيرين الذين نجد بينهم من فقد صوابه ، ومن فارقه الأمل ، ومن سُلِب لَحمُه ، ومن قضى نحبه ،، تحت شدة وطأتها وقسوة قبضتها ..
أما هو ، فقد صهرته ، وعجمت عوده ، فأخرج لنا أجمل ماعنده ، وهو يصف الحنين عندما يشتد ، والشوق حين يعصف ، لذلك لا تخلو قصائده من هذا الإحساس الغامر والمحيط ، والذي يتوسل به إلى قلوب من يعشق ، فيتحول ( الأنين ) إلى أغنيات دافئة ،
أشبه ( بالمُكَمَدات ) ، وهي تلامس مواطن الألم ..
( الدنيا ليل غربة ومطر
الدنيا ليل غربة ومطر ..
وطرب حزين..
وجع تقاسيم الوتر
شرب الزمن فرح السنين ..
والباقى هداهو السهر
يا روح غناى ..
الغربة ملت من شقاى وغربتي
وبقيت براى .. حاضن أساى
الوحشة ملت من أساى .. ووحدتى
لاغنوة لا موال يبدد حسرتى ..
غير الدموع يا ملهمة..
الغربة مُرَّة و مؤلمة
الغربة مُرَّة ومظلمة
قولى للنيل ضفة .. ضفة
و العشيات لما تصفى..
والنسيمات البتاخد
من عفاف ريدتنا عفة
إنو شوقى يفيض بحر
شوقى شوق إنسان معذب
ضيعو الليل و السفر
لا ينابيع ريدى جفت
لا ولا أشواقى خفت
كل يوم فى غربة زايدة
و بيها كل الدنيا عرفت ) ..

ولعل أكثر ما يرهق ( عبدالعال ) ويضنيه ، هو أن يعز ( المزار )ويتعذر ( الوِصال ) فيجلس يحسب نجوم الليل
والليل نجومو تمل الإنتظار ..
( وبقيت اعاين فى الوجوه
وأسأل عليك وسط الزحام قُبَال أتوه
يمكن الاقى البشبهك
مالليل براح والشوق تعالِى بيندهِك
شايلاهو وين النيل معاك
عصفوره جنحاتا النجوم
وأنا بى وراك
بسأل عليكِ مدن مدن
واعصر سلافة الليل حزن
وأسأل عليك فى المنفي فى مرفا السفن
يمكن طيوفك أخريات الليل تمر
تملا البراحات للحزين طول العمر ) ..

و إذا ما تَبِعْت عبدالعال ، فإنه يأخذ بيدك ، ويمضي بك صعودا وهبوطا ، يُمْنَةً ويُسْرى ، فما أن تستريح حتى يستنهضك ، وما أن تلوح لك بارقةُ أملٍ ، حتى يحول دونها ألفُ عائقٍ وهو حال الغريب النازح ، الذي لا يفتأ يُنَقِبُ ، و (يفتش ) ويُطارد ، فلا يحصد سوى السراب ، بعد أن نأت به المسافات عن موطنه ..
( بيني مابينك وطن
غابة للشوق والعصافير والشجن
ريح بتمرق من جدار الليل تغربل
زي طواحين الزمن ) ..
وهو ما يخشى أن يُوَلِّد النسيان
ويُوُرِث القسوة ..
( حِبان قساي نسوا
وعلي قليبي قسوا )
و يُدمِنُ الرسائل علها تُبْقِي على رِباط المحبة موصولاً..
( رسلت ليكم ناس حمَّلتَهُم اشواق
وتحيه من قلب لى قلبكم مشتاق
وهدية من انسان حسَّاس مشاعرو دُقَاق
ده المن هواكم يوم ما شغلتو الأرزاق ) ..

ولا يكترث للصدود والممانعة إن لم تكن تستهويه وتزيد من تعلقه ..
( كل ما سألت عليك
يقولوا مشغولة ..
أيه شاغلك عني
وريني يازوله ) ..
ويظل يبذل المحاولة تلو الأخرى ..
( دقيت ليهو ما رده
ودقيت ليهو ما رده
يرن جوالو بشده
برضو حبيبي مارده )..
ثم ما يلبث أن يعود للتحسر ..
( إنتهى العمر الجميل
عَدَّ زي عابر سبيل
عَدَّ ياناس بين طموحي
وبين سكة السفر الطويل
لا صحاب لا والي يسأل
لا حبايب لا دليل
صرت زي شجر الحراز
راجي المواسم
لا صفق لا خضرة
لا عود فيهو باسم ) ..
وينتفض لما ( يَزْهَج ) وينفد صبره ..
( جرِح جَرَحْتوني
ظُلُم ظلمتوني
وتقولوا أحبابي ) ..
والله فعلاً ، هذا فوق الإحتمال ،
يا ( عبدالعال ) ..

وعندما تجتمع على المرء الغربة ، والليالي الممطرة ، وتثقله صبابات الهوى ، ويُذْهِبُ لَحْمَه الحنين المُمِّض ، وعلاوة على ذلك يستقبل رأسُه ( شاكوشاً ) قاتلا ً، فلكم أن تتصوروا كيف يكون حاله !!
( البي غُناي
مجدتها
وخلدتها
من دون بنات الكون جميع اخترتها
ياريتو كان لاشفتها
لا رِدْتَها
لا عرِفْتها
جرحت هواي
لمان مشيت وسألتها
ما كنت عارف إنها
مرتبطة بي واحد
يقارب سنها
إنسان سعيد عايز رضاها وحِنها
وانت الحزين
شفت العجايب منها
لَمْلِم جِراحك لِمَها
أمرك كتير ما بهمها
مكتوب عليك تعيش حزين
لا تشوفا يوم لا تلِمَها ) ..
وتاني يا ( عبدو ) ، خلي بالك ،
و ( العب على المضمون ) ..

وأنا علاقتي ( بعبدالعال ) ، بدأت ، وتعمقت ، قبل أن نلتقي ..والذي ساعد على ذلك أنه كالشعاع ، يتسلل إليك أنَّى كنت ، ويلاحقك بالسؤال عن الحال والأحوال ، فتنعقد بينك وبينه إلفةٌ مشدودة الوَثَاق ،، فكان لا يمضي وقت طويل حتى توافيني منه رسالة :
( والله ياحبيبنا البساط أحمدي ، أي خدمات ، وأنا أخوك ياعزيزي ) ..
وفي مرة قلت له : ( نعم )
قال : ( تأمر )
قلت : ( تشرفنا في أغاني وأغاني ) ، وكان الأمر يبدو لي عسيراً ..
فعزَّني ، وجاء بعد غيبة طويلة عن السودان ، ونَفَحَ البرنامج بحلقتين ،كانتا بلون و عِيار ( العسجد ) ، فاكتحلت أعْيُنٌ وسعِدت برؤيته ، وفاضت مشاعرٌ برقيق قوله وعذبه، وحسن أداء نجوم البرنامج ، وهم يتغنون له بحضوره ..
فأنْعِم بها من استجابة..
وأنْعِم به من مُجِيِب ..

وآخر ما أقول من كلامي :
إن ( عبدالعال ) تشدني إليه ( أيقونة ) ، هي بمثابة ( الوسادة ) ، التي ما أن تتكئ عليها ، وتغمض عينيك ،حتى تتلبسك حالة من أحلام اليقظة ، فترى أمامك كل الذي تحب وتشتهي وتخاف ..
و عندها تجده يبلغ أقصى عنفوانه، ويسكب فيها كل ما اكتنز من جمال ، ومخاوف ، وأشواق ، وأمانٍ عذبة ..
لتصبح هي ( تميمة ) العشاق ، وعزاؤهم..
وهي ماؤهم، وغذاؤهم ، وهواؤهم ..
وهي قولهم ( الشافي ) إذا قالوا :
( إنت المهم ..
إنت المهم والناس جميع ما تهمني
إنت العزيز أفرد جناحك ضمني
خايف تفوت و السكة بيك ما تلمني
إنت الوداد
نبض الفؤاد
بستان نضير
و صفا وعبير
وجمال رهيب
و دلال عجيب
ريح شقايا وجِمني
جاييك شعاع
نجمه وشراع
نسيني ياعمري الضياع
أنا لسه تايه دلني
قول ليا قول
يا أحلى زول
خلي الحزن يرحل يزول
لو كنت جد بتعزني
أنا ليك وبيك
مداح عيونك ومشتهيك
مهما تجور بنزف واجيك
لا بقسا لا بزعل عليك )

ويا صديقي ( عبدالعال )
يا حليف ( زهرة السوسن )
ويا مشتهي القمر الما طلع
ويا ( زولاً ) سافر وما رجع ..
لقد أتعبتني
وهدَّني المَسِيرُ
وأنا أحاول أن أقتفي أثرك
و أُمْسِكُ بك ..
فلك معزتي ..
والسلام ..
أم درمان نوفمبر ٢٠٢٠