أقلام النهار

اثيوبيا من طقوس سالمبسا .. الى لعنة مايو !-تحليل سياسى : محمد لطيف

 

لبعض شعوب القرن الأفريقي طقوس مقدسة .. فعلي سبيل المثال .. فالتآخي وحتى يكون قويا وعصيا على الخيانة .. فلابد من خلط دماء المتآخين عمليا .. لا نظريا .. وهذا ما فعله رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زناوي .. والذى ينتمي لقومية التقراي .. المجاورة جغرافيا لإريتريا .. والرئيس الأريتري اسياس افورقي بوادي سالمبسا الحدودي .. حين عمدا لجرح اصبعيهما .. فسالت الدماء غزيرة فاختلطت ببعضها .. كناية عن التآخي وإعلانا للتحالف السياسي العسكري الذى كان هدفه تحرير .. شعوب اثيوبيا .. من هيمنة نظام الدرك بقيادة منقتسو هايلي ماريام .. ولعل ذلك كان فى مايو من العام 1990 .. وما سيزيد هذا الأمر غموضا .. أن شهر مايو ظل يتكرر بصورة راتبة ومريبة فى تاريخ العلاقة الإثيوبية الأريترية ثم فى تطورات الأحداث داخل اثيوبيا نفسها .. ففي الرابع والعشرين من مايو 1991 كانت قوات جبهة التحرير الإريترية تطرق ابواب أسمرا معلنة تحريرها .. وفى الثامن والعشرين من مايو من ذات العام .. كانت قوات الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب اثيوبيا تدك حصون نظام منقستو معلنة هى الأخري تحرير اديس ابابا ..أما مايو من العام 1993 .. فقد شهد إعلان الإعتراف الإثيوبي بدولة اريتريا المستقلة .. بعد الإستفتاء الذى إختار بموجبه الأريتريون ميلاد دولتهم المستقلة ..!

ثم إذا بمايو تغلب وجهها للبلدين .. وإذا بدماء سالمبسا المختلطة .. تتحول الى أنهار من الدم المسفوح .. بعد أن كانت رمزا للإخاء .. فقد إندلعت المواجهات العسكرية بين الدولتين على الحدود .. وذلك فى مايو من العام 1998 .. ثم تحرك المجتمع الدولى .. ولحدما الإقليمي لفرض تهدئة مؤقتة .. إستمرت لنحو عامين .. ولكن وتحديدا فى مايو من العام 2000 .. إندلعت حرب شاملة بين البلدين .. كانت اعنف من سابقتها فحصدت نحو مائة الف قتيل ..وفى تلك الحرب كان التقراي هم رأس الرمح .. والضحايا الأفدح ثمنا .. لسببين جوهريين .. الأول أن اقليم التقراي يكاد يمتد بطول الحدود الإثيوبية الأريترية حيث منطقة المواجهات العسكرية .. ومنطقة النقاط المتنازع عليها بين البلدين .. أما السبب الثاني فهو أن التحالف الحاكم يومها كان يقوده عمليا التقراي .. فكانت منطقة التقراي هي التى دفعت ثمن المواجهات والحرب بين الدولتين ..!

غير أن المفاجأة المحيرة حقا .. أن ذات المنطقة ستدفع ايضا .. ثمن السلم والتحالف بين الدولتين .. كما دفعت ثمن الحرب بين البلدين من قبل .. فالمعروف أن رئيس الوزراء الإثيوبي .. الذى ينتمي لقومية الأرومو .. يحتفظ بعلاقات طيبة مع اسمرا .. لذا كان طبيعيا أن تعلن اسمرا دعمها للحكومة المركزية فى اديس ابابا فى مواجهة اقليم االتقراي المتاخم لها .. وبالنتيجة فإن هذا الإقليم المنكوب يجد نفسه الآن محاصرا .. بين قوات آبي احمد من الجنوب وقوات اسياس افورقي من الشمال .. وبالنتيجة ايضا .. فليس غريبا ألا يجد الهاربين من جحيم الحرب .. منفذا للنجاة إلا فى اتجاه الغرب .. حيث الحدود السودانية .. وهذه قصة نعود اليها لاحقا بالتفصيل .. أما اللافت اكثر والذى يستحق الوقوف عنده .. فهو أن الأزمة لأخيرة لم تكن بعيدة عن لعنة مايو ايضا .. !

ففي الخامس من مايو هذا العام صادق البرلمان الإثيوبي على إحالة طلب تفسيرات دستورية بشأن إجراء الانتخابات في ظل التأجيل بسبب جائحة كورونا إلى مجلس التحقيق الدستوري للبت فيه .. والذى كان قد دفع به رئيس الوزراء .. ولكن المفاجأة أن حكومة اقليم تقراي اعلنت فورا .. وفى تحد سافر لآبي احمد تمسكها بقيام الإنتخابات .. فكانت النتيجة ما تشهدها المنطقة الآن .. !