أقلام النهار

زعيم الكبابيش— التوم حسن التوم-مزيج الشجاعة والذكاء-المسلمي البشير الكباشي

انتقل فجر اليوم الناظر الشيخ التوم حسن التوم، زعيم الكبابيش، الى الرفيق الأعلى،

يجمعني بالأمير التوم الكثير، فقد التقينا في دروب الحياة منذ نعومة الأظافر، منذ المرحلة الإبتدائية بحمرة الشيخ، والثانوية العامة بحمرة الوز، ثم الثانوية بخورطقت. كان رحمه الله يسبقنا في الدراسة بسنوات ثلاث، ثم تفرقت بنا سبل الحياة فبينما غمرتنا نحن، حياة المدن طلاباً للعلم أو الرزق، آل اليه هو أمرُ قيادة قبيلة الكبابيش في فجر سنوات الثمانينات من القرن الماضي، بعد وفاة والده الناظر الشيخ حسن التوم على التوم.
َولكنّا لم نبتعد عن الانغماس العميق أحياناً في أمر أهلنا الكبابيش، وكل انخراط في شأنهم بالضرورة تستتبعه تقاطعاتٌ مع زعيم القبيلة، وناظرها المرحوم التوم..
التوم وضع بصمةً عميقةً في تاريخ الكبابيش، فقد قاد القبيلة في مناخ من الرياح الهوج، والعواصف الطبيعية والاجتماعية التي حفرت عميقاً في تقاليد الحياة، ومهن الناس، وطرائق معاشهم.
لأول عهد التوم في سدة سلطة القبيلة، ضربت البادية الواسعة جائحة الجفاف والتصحر العام ١٩٨٤م، جائحة قضت على أخضر الناس ويابسهم، فقد غدت البادية التي كانت ممدودة الأرض، ناضرة المسارح ، راتعة السوائم، فائضة الضروع بالألبان،دافقة برطيب الحياة، غدت صحراء جرداء، لا ترى فيها إلا هشيم الغابات التي كانت باسقة، ورميم الحيوان الذي كان يضج بنغم العيش الرغيد، في بادية هي الأكبر في السودان، تمتد من فتاشة غربي أم درمان وحتى تخوم جبال الميدوب في شمال دارفور، ومن شمالي بارا حتى ولايتي نهر النيل و الشمالية.
استحال عالم الكبابيش الذي لم يعرف في غالبه غير الرعي، الي عوالم متعددة ومتنوعة ، هجر بعض الناس البادية وابتلعتهم مواطن جديدة في الجزيرة و الشمالية ومدن السودان المختلفة، وهجر كثيرون الرعي للتعرف على مهن جديدة، لا عهد لهم أو لآبائهم بها، منهم من طرق أبواب الأعمال تجارةً، ومنهم من طرقها استرزاقاً من حِرفٍ جديدة يتعلمها كمن يتعلم المشي بعد كبر، وبالرغم من فجاعة الجائحة، وقسوة فراق الحياة الطلقة، الا أن الله قد أبدل كثيرين منهم خيرا كثيرا بتحقيق نجاحات باهرة في العوالم التي طرقوها، ما فتح عليهم سعةً في الأرزاق، وفرصاً لتعليم الأبناء، وحياةً جديدة وضع فيها كثيرون عصا الترحال والانتجاع بحثا عن الماء والكلأ الي استقرار مقيم.
وقد امتد سلطان التوم وانداحت مسؤوليته إلى آفاق بعيدة إلى حيث يقطن الكبابيش بعدما ما كانت في بادية يعرفها شجرةً شجرة وفرسخاً فرسخا.
ولم يكن شتاتُ الكبابيش بعد جائحة الجفاف والتصحر التحدي الأوحد الذي واجه الناظر التوم، بل توالت النوازل، وتناصرت التحديات، وتسارعت التقلبات، وكان أخطرها تسارع أحداث النهب المسلح في دار فور، ودار فور هي العمق الاستراتيجي للكبابيش، والمجال الحيوي لقبيلة صِنْعتُها رعي الإبل، والإبل بطبيعتها لا تعرف الحدود، ولا تعترف بالقيود، وكان على الناظر أن يدير هذه العلاقة الحادة مع جيرانه من القبائل الأخرى في دار فور، وقد لعب في ذلك أروع الأدوار خاصة أنه يرتكز فيها على ثراث عميق من الأجداد والآباء، يمتد لمئات السنين، ولكن أبرع وأذكي الأدوار التي يحفظها التاريخ للتوم إدارته لملف الأزمة الكبرى التي انفجرت بدار فور عند فجر الألفية الجديدة، حين اندلع الصراع المسلح بين السلطة الحاكمة وحركات تمردت عليها في دار فور، ما وضع الشيخ التوم بين خطوط الضغط، حركات تمردت على الدولة تتخذ من بادية الكبابيش أحياناً مسرحاً للمواجهة وأحيانا أخرى طريقاً للوصول إلى الخرطوم حينما قررت حركة العدل والمساواة نقل معركتها إلى الخرطوم في مايو ٢٠٠٨م ، وهنا تجلت براعة التوم فهو من ناحية جار للقبائل التي انتمي إليها التمرد المسلح، وتتداخل بينه وبينها كثير من العلاقات التاريخية والمصالح، ومن ناحية أخرى يقع تحت ظل سلطة لا تستطيع تجاوز أهمية موقعه الجغرافي خط دفاع أول عن العاصمة وما قبلها غربا، ونحن شهود على محاولة الضغط الحكومي على الشيخ التوم ليصبح جزءً من معركتها في مواجهة الحركات المسلحة، ولكنه استعصم بمسافةٍ مقدرة، بل واجه السلطة عند بعض محطات الضغط، بأنه لن يكون ظهيراً لها في معركة ليس طرفاً فيها، وأن لهذه الحركات معارك سياسية مع الخرطوم، هو ليس جزءً منها ، ولن يستطيع دخولها بالوكالة، وبمزيج من الشجاعة والذكاء جنَّب التوم قبيلته مواجهة السلطة وعسفها، واحتفظ بعلاقات الود والإحترام مع جيرانه من أهل دار فور.
وليست فقط تحديات التعايش في بيئة سياسية واجتماعية وطبيعية مضطربة ما واجه التوم، بل يزيد عليها تحدي السياق الثقافي للقبيلة التي يقودها، إذ عاش آباؤه في مناخ يحترم التقاليد السلطوية للقبيلة ولا يجد غيرها ملاذاً، بيد أن التوم واجه أجيالاً متحوا من ثمار المعرفة الحديثة، ومعلوم ما يضفيه ذلك من تعقيدات على معايير القبول أو الرفض لأساليب القيادة التقليدية، وللحق فقد ساير التوم ذلك بأقدار معتبرة من النجاح.
حينما تقاربت وفاة الشيخين الأبرز في نظارة الكبابيش بعد الشيخ الأكبر على التوم، في مفتتح الثمانينات، الشيخ محمد المر، وكيل نظارة الكبابيش، القيادي الفذ، صاحب الكارزما الهائلة ، والشيخ الناظر حسن التوم، ناظر الكبابيش ووالد المرحوم التوم، هاج الناس وماجوا في سؤال من يخلفهما؟ ، ومن لقبيلة الكبابيش من بعدهما؟ ، واجتاحت القبيلة حالةُ الغم والهم ، ولم يعرف عن التوم وقتها سوي إنه ابن الناظر، لم تُشهد له أدوارٌ في حضرة الوالد، ولم يُشهر عنه موقفٌ يعتبر دالةً على قدراته القيادية وخاصة أنه في شرخ الشباب لم يجتز العشرين من العمر إلا قليلاً ، لكن الأحداث صنعت من الرجل قيادة اجتاز بها أهوال من الصعاب،أو ركبها هو على جموحها ليرتاد بها أعلى ذرى المجد، زعامةً قوامها ذكاءٌ كبير وشجاعةٌ قادرة على مواجهة الصعاب.
وبعد التحاق الشيخ التوم بالرفيق الأعلى، تعود ذات الأسئلة، من للكبابيش من بعده؟ ، فالزعامة ومهارات القيادة ليست مما يُشتري من الأسواق، وكما قال صلى الله عليه وسلم (إنما الناس كابل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة)
ولا أستطيع إخفاء مخاوفي حول سؤال من بعد التوم، لتبقى هذه القبيلة العزيزة موحدة ذات أثر في الحياة، وبالرغم المخاوف نعرف بها رجالاً يدركون بعمق مسؤوليتهم تجاه الوجود الحي لقبيلتهم، وخاصة من بيت الشيخ علي التوم، الزعيم التاريخي، أيقونة الوحدة، وبوتقة صهر الشتات الذي أصبح مسماه الكبابيش. و
الكبابيش قبيلة تضم نحواً من 63 فرعاً، تتعايش بود وأخاء مع مكونات شقيقة أخرى .
و البقاء على هذه الفسيفساء الضامة للكبابيش ومن معهم وجوارهم من القبائل الأخرى هو تحدي القيادة الجديدة، ولها رصيد من إرث تضافرت فيه كيمياء التعاون والتفاعل الخلَّاق .
رحم الله الشيخ التوم حسن التوم، ونسأل الله أن يقيض للكبابيش أمرَ رشدٍ تضاف فيه إلى مآثر التاريخ، خطىً جديدة من الوحدة والتقدم والازدهار.