أقلام النهار

وزارة التربية والتعليم..  -الرسالة وصلت!!! هشام عباس زكريا

مدير مؤسسة كبرى ممن أعتز بهم حدثني مرة أنه عندما يريد إصدار قرار فيه تحولات كبيرة في مؤسسته وهو يريد اخضاعه (للرأي العام) فإنه يُعطي لسكرتيرته حق الطباعة، ولا شك أن تسريب المعلومات في كثير من الأحيان حتى لا يغضبن (السكرتيرات) يبدأ من هنا، وبعد ذلك يبقى أياماً وينتشر الخبر كشائعة(وعندما يعم القرى والحضر) ،يدرس المدير (الرأي العام) فإن وجده مع ما قرر وقَع على الخطاب، وإن وجد غضباً وانتقاداً مزق خطاب السكرتيرة التي تطوعت بتسريبه، أما القرارات المقتنع بها تماماً فإنه يقوم بطباعتها بمفرده وبالمنزل، وتتفاجأ بها حتى السكرتيرة التي لها حق التوزيع فقط، ويصدر القرار نهاية يوم الخميس والموظفون يتجهون لمنازلهم ،ولا أدري لماذا يختار هذا التوقيت؟
تذكرت ذلك ووزارة التربية والتعليم تصدر بياناً مشتركاً مع وزارة الثقافة والإعلام(السكرتيرة) وذلك بعد اجتماع مستفيض تعلن فيه استئناف العام الدراسي 2020-2021 عبر مختلف المنصات المتاحة أثيرياً من الفضائيات والإذاعات التي اسمتها بالرسمية وكان الأجدى استخدام مصطلح (حكومية) في المركز والولايات ،وذلك لإنتاج وبث المقررات الدراسية لمرحلتي الأساس والثانوي ،وقبل أن يجف حبر هذا الخبر طالعتنا الأسافير بنفي من وزارة التربية والتعليم لهذا الخبر، وكشفت أن الخبر الصحيح (هو بث مشترك لمراجعة الدروس السابقة عبر هذه الوسائط المتعددة لضرورة ربط الطلاب والتلاميذ بالمدارس وتنشيط ذاكرتهم ،وليس استئنافاً للدراسة كبداية عام دراسي جديد كما هو متداول في الوسائط الإعلامية)، لجأت بعد ذلك إلى أصل البيان فوجدت أن المعلومات الواردة فيه تؤكد بداية الدراسة عن بعد.
إن هذا الخبر يجعلنا أمام توقعات مختلفة، فالتوقع الأول أن وزارة التربية والتعليم تريد أن تستخدم أسلوب مديرنا مع قراراته، فمررت الخبر عبر وزارة الإعلام وعندما لم تجد الترحيب من الرأي العام قامت بنفيه،أما التوقع الثاني فهو عدم الانسجام بين المنظومة الحكومية والتي من المؤمل أن تصنع مطبخاً للقرارات مبني على دراسات ورؤية ونظر للقضايا من كل النوافذ، والتوقع الثالث هو ضعف الأداء الإعلامي في أكبر مؤسستين حكوميتين في بلادنا هما وزارة التربية والتعليم والثقافة والإعلام، وهما يصرحان وينفيان في نفس الوقت مما جعل المتلقي في حيرة، خاصة وأن مثل هذه الأمور الكبرى تستوجب الضبط في المصطلحات الإعلامية وفي البيانات والدقة في التعبير.
أكتب هذا المقال والهدف أن نتناول موضوع التعليم المفتوح وعن بعد في مثل هذه الأزمات بعين الموضوعية ،فالعام الدراسي في ظل الظروف الاقتصادية والصحية الراهنة يصل استئنافه إلى حد الاستحالة، لذا لا بد من وجود خطة بديلة ،وعلى المستوى الشخصي سررت لهذا الاجتماع المشترك وكنت آمل أن تتجه الحكومة في الفترة القادمة لاعتماد هذا النوع من التعليم لتجاوز الأزمة حتى ولو بشكل جزئي في بعض المناطق في السودان أو على الأقل في العاصمة، فالسودان يمتلك مقومات هائلة في الإعلام التقليدي والجديد، ويكفي بأن بكل ولاية هيئة للإذاعة والتلفزيون بها إذاعة وتلفزيون وفي بعض الولايات قنوات فضائية كلها حكومية دون استثناء تصرف عليه الدولة ولا أظن أن هناك دولة عربية تملك مثل هذا العدد من الإذاعات، وهذا في حد ذاته واحد من الإشكاليات الكبيرة حيث تعمل معظم هذه المؤسسات دون رؤية مما جعلها مصدراً لبث معاني (المكانية) الضيقة وعدم التعامل بوعي سوداني كامل، حيث تابعت برنامجاً في إحدى هذه القنوات يتحدث عن (حدود) ولايتهم مع ولاية أخرى، (والضيف) يتوعد ويهدد كأن هذه الولايات ليست في دولة واحدة، إن مشروع قومي مثل التعليم عن بعد تشارك فيه هذه المؤسسات يمكن أن يكون البديل لما تقدمه هذه المؤسسات الإعلامية من برامج تعمل في غالبها على التقوقع وبث قيم الذاتية وعدم الإحساس بأن الوطن كتلة واحدة، ولا نستطيع أن نعمم ولكننا نتحدث عن الأغلب.
إن تجربة التعليم عن بعد لها معظم مقومات النجاح من مؤسسات إعلامية منتشرة في أجزاء السودان ،ويمكن أن يحدث تكامل هنا بين الإعلام التقليدي والجديد في المناطق التي لا يصل إليها الانترنت ويبقى التحدي توفير الطاقة في أمكنة الظل، والتي يمكن أن تستثنى بالحضور إذا كانت الأماكن غير مغتظة بالسكان، إضافة إلى ذلك فإن بعض الجامعات السودانية الحكومية باتت تملك قنوات إذاعية وفضائية ويمكن أن تساهم في هذا العمل الكبير، كما أن وجود جامعة السودان المفتوحة كجهة استشارية وتملك قناة تعليمية فضائية وإذاعية في المركز وبعض الولايات يجعل المشروع أكثر نضوجاً.
نكتب ذلك ونقول إن التعليم المفتوح والتعليم عن بعد هو المستقبل، حتى في حالة عدم وجود أي أزمات كما هو الواقع، وعلينا أن نعي أنا نتعامل مع جيل جديد ومختلف، يمكن أن يمارس عملية التلقي بكل سهولة من مصادر الإعلام التقليدي والجديد، بل ويبدع في ذلك، أقول هذا الكلام وأنا الآن أحد الأساتذة الذين يمارسون هذا النظام في هذه الأيام وأجد تجاوباً كبيراً من الطلاب، بل إنهم يبتدعون في كل يوم الجديد في التواصل معهم وذلك وفق مبادرات ذاتية منهم.
يجب علينا ألا نستهين بالإمكانيات الموجودة في السودان سواء كانت بشرية أو مادية خاصة في مجال الاتصال والإعلام، وأنا على ثقة أن جميع المؤسسات الإعلامية في بلادنا قدر التحدي، وأي مشروع حتماً تعترضه عقبات، ولكن في النهاية بالعزيمة والإصرار يصل مرافئ النجاح، فعلى وزارة التربية والتعليم بناء منظومة من المستشارين من التربويين والإعلاميين، وانجاح هذا المشروع بدلاً من الإعلان عن تجميد العام الدراسي.
ختاما، نقول لوزارة التربية والتعليم إن(السكرتيرة) سربت الخبر، وقد وجد عندنا الاستحسان، فبدلاً من تأخير أبناءنا عاماً كاملاً ندخل هذه التجربة، فعليكم بإصدار القرار كما كان يفعل مديرنا
وبالله التوفيق

error: Content is protected !!