أقلام النهار

ما وراء الخبر- محمد وداعة –  انا لله و انا اليه راجعون

 

رحم الله الحبيب الإمام (الصادق المهدي) و أسكنه فسيح جناته مع الصديقين و الشهداء و حسن اؤلئك رفيقآ ، الجنات مع النبيين والصديقين والصالحين ، التعازى للشعب السوداني عامة ولجماهير حزب الأمة وكيان الأنصار خاصة، و للامة العربية و الاسلامية و للانسانية كافة ، وبعد التسليم بقضاء الله و قدره ، لا مزايدة فى وصفنا لرحيل الحبيب الامام بانه كارثة وطنية ، و فاجعة ، حدثت فى وقت عصيب تمر به بلادنا ، و سط تجاذبات و صراعات بين قوى الحرية و التغيير و خلافات مع السلطة الانتقالية بشقيها ، و ازمة اقتصادية طاحنة ، كانت فكرة العبور بها الى بر الامان ، اهم ما عزم عليه و توكل ، السيد الإمام الصادق الصديق المهدي، سياسي سوداني ومفكر اسلامي بارز، من الطراز الاول ، كان الفقيد رقماً هاماً في كل الأحداث والمنعطفات الكبيرة التي شهدتها بلادنا منذ ميلاده السياسى وحتى فاته ، كان له مساهمات على الصعيدين العربى والاسلامى ، و كان دائم الحضور فى حوار الأديان والحضارات، و له انتاج كبير من المؤلفات في السياسة والفكر والاجتماع و الحداثة ، و كان غزيرآ فى توليد المعانى و استخدام الامثال الشعبية ، و بهذا كان موسوعة جامعة للفكر و السياسة و الاجتماع ، وهى مميزات قل ان تتوفر فى شخص واحد ، و لن يطول الوقت حتى يكتشف الناس ان الفقيد كان احد اهم علماء بلادى ، و اكثرهم اعتدالآ و عمقآ ، كان متسامحآ حتى لمن تخاشنوا معه ، و كان قليل الغضب ، و ان غضب ، اما صمت ، او ترك مكان المغاضبين معتذرآ بأدب و خلق لارتباطات اخرى ،

الكتابة عن رحيل الحبيب الامام صعبة ، فمن اين تبدأ ؟ من وصفه؟ ام سرد لحظات و اوقات فريدة جمعتنى به ؟ ام فى تقييم الفراغ و الخسارة التى خلفها رحيله ؟ خاصة وقد جمعتنى به لقاءات منفردة ، جمل بعضها الحبيب بشرى ، و احيانآ كثيرة الحبيبة مريم ، و الحبيب محمد زكى ، هذا فضلآ عن الاجتماعات التى جرت بين حزبينا ، او من خلال اجتماعات نداء السودان ، او مع قوى الحرية و التغيير ،

قبل اسابيع قليلة من رحليه ، و قد ازفت مواعيدى معه وذادت عشر دقائق ، قال للمجتمعين معه من قيادات حزب الامة ( مجلس التنسيق الاعلى ) ، انتهى وقتكم و لدى ضيف عزيز لا استطيع تأخيره ، ورفع الاجتماع ، دخلت عليهم وهم يلملمون اوراقهم ، فدهش احدهم ، و قال هل انت الضيف ؟ ، كان الامام واقفآ لتوديعهم ، و قال رحمه الله ، و نعم الضيف ، ومرة كانت د. مريم حضورآ معه لتسجيل احدى المقابلات مع احدى القنوات اليابانية ، و دلفت الى حيث نلتقى و كان لقاءآ عاجلآ و غير مبرمج ، فقالت مازحة ، ( يا وداعة انت لازم تانى تقابل الامام عبر المؤسسات الحزبية ) ، قال رحمه الله ،( وداعة ، يقابلنى من غير برتوكول او مراسم ) ،

فى ورقة فكرية و تحليلية نقدية كتب الامام ، تحت عنوان و يسألونك عن القومية، فقال ( في 1988م التقيت المرحوم الأستاذ ميشيل عفلق وقلت له، أنت مفكر عبقري ولكن ألا توافقني في ثلاثة أمور هى :الأولى: إن فكرة البعث تأثرت بالعلمانية الفرنسية فبالغت في العداء للإسلام، مع أن كثيراً من المسيحيين تخلوا عن هذه الحدة إذ قال قسطنطين زريق: الإسلام هو دين العرب القومي. وقال فارس الخوري: أنا مسيحي ديناً ومسلم حضارة. وقال مكرم عبيد: أنا مسلم وطناً وقبطي دينا ،الثانية : إن شعار وحدة، حرية، اشتراكية؛ ضاع عندما فرطت تجربة حزب البعث في الحرية في سبيل الاستيلاء على السلطة على نحو ما جاء في كتاب منيف الرزاز: التجربة المرة ، الثالثة: إن عبارة البعث العربي في بلاد كالسودان متعدد الثقافات والاثنيات وهم: عرب، زنوج، وبجا، ونوبة، ونوباوية؛ فعبارة الانتماء العربي تخلق بينهم استقطاباً إثنياً وثقافياً حاداً ،قلت له: إن كنت توافق على هذا النقد الموضوعي فإننا ننتظر أن تقدم على المراجعات المطلوبة، قال رحمه الله: نعم ولكن الأيام لم تمهله، فمات بعد فترة قصيرة وذكرت هذه الحادثة في ترحمي عليه بعد وفاته ،

إن لفكرة القومية العربية دورها ووجاهتها لدى كثيرين، ولكن أضرّ بها في التجربة البعثية في سوريا والعراق والتجربة الناصرية في مصر سلبيات، أهمها الوصول للسلطة عبر السلم الانقلابي، وكل محاولة لتطبيق أيديولوجية بالوسائل الانقلابية تأتي بنتائج عسكية، التطبيق البيروقراطي للاشتراكية عبر نظام حكم إقصائية ، المناخ الفكري والسياسي في السودان الآن مناخ حر، وحريص على الحرية والديمقراطية. والسلام الاجتماعي فيه يعتمد على فكرويات تتفاعل إيجابياً مع هذا المناخ ، هنالك اجتهادات بعثية سودانية كما عبر عنها المرحوم محمد علي جادين، والأخ عبد العزيز حسين الصاوي، وغيرهما ، يرجى أن يقوم دعاة البعثية والناصرية في السودان بمراجعات تتخلى عن النهج الانقلابي والشمولي والإقصائي لنيل مكانة إيجابية في التنافس على هندسة بناء الوطن ) ،

لم اطلع فى بلادنا على مقال او حديث صريح لاى مفكر او قائد سياسى فى السودان ، يعترف بفضل غيره ، و لا يستنكف اعلان مواقفه الايجابية من منتوجه الفكرى ، كما فعل الامام ، والمرحوم محمد على جادين ، هذا ليس قولى ، هذا قولهم لبعضهم ، و قول عارفى فضلهم و عطائهم ، نواصل

error: Content is protected !!