أقلام النهار

من النهرين إلى الجبلين_لمحة من نافذة الرحلة.. أيام في حائل- بقلم- هشام عباس زكريا

تلتقط الأيام دوماُ الروائع من الصور، وتحفظها في ذاكرة الانسان في ترحاله، تمضي الأيام والشهور والسنوات وتدور أحداث وأحداث، لكن تبقى في العمق لحظات لا يمكن أن تسقط من شجرة الذاكرة إلى فضاء النسيان،وتبقى ليلة الثلاثاء 11 يناير 2021 هي واحدة من الليالي المزروعة في بستان الانسانية والزمالة، والمحفوفة بالحب والتواصل وجميل المعاني.

قبل تلكم الليلة بيوم واحد حط بي الرحال في (حائل) الجميلة شمال المملكة العربية السعودية فوجدت نفسي أنشد مع غازي القصيبي:-

يا حائل المجد كم مجد شمخت به

شذى الشواهق من تذكاره أرجا

مازال حاتم يقري الضيف ما تركت

نيران حاتم في الضيوف دجا

يا حائل المجد مجدي أن أكون هنا

أنيخ قلبي في سلمى الرؤى وأجا

حائل قطعة أنيقة من الجمال مسورة من جانبين، بجبال سلمى وأجا،فتعطيك الاحساس أنها تلقاك مرحبة مفتوحة الزراعين،هي أشبه بمنتزه طبيعي زاد جماله الطقس البديع والأمطار الشتوية التي استقبلتنا ،ذلك مع عبق التاريخ وقيم الكرم المتوارث في هذه المنطقة والذي كانت تمثله قبيلة طئ والتي انحدر منها حاتم الطائئ مضرب المثل في الكرم ،وفي شرق حائل توجد منطقة عنترة بن شداد رمز الشجاعة والفصاحة والشعر والمشاعر الانسانية الدفاقة.

إن التجول في حائل يشعرك بأنك في دنيا التاريخ بكل أحداثه وشخوصه وأمكنته، وياليت كل متخصص في الشعر الجاهلي تٌتاح له الفرصة لزيارة حائل ليربط المكان بالابداع وترسخ تلكم الصور الذهنية عن الشعر والشعراء والأدب العربي والأسماء البارزة فيه عن الشخوص والأمكنة.

أعود لليلة المحفوظة في مساحات الود والتلاقي والتي التقيت عبرها زملاء أعزاء يمثلون مجموعة من الأساتذة السودانيين بجامعة حائل وهم يقيمون احتفالاُ بمناسبة زيارتي للمدينة البستان، فكان أن جسدوا لوحة من القيم السودانية ، مرسومة بألوان ومشاعر صادقة بحب السودانيين لبعضهم البعض ،وهذا هو سر عظمة السودان القائم على أوتاد التسامح والتواصل والود والإلفة ،فكانت ليلة فاضت فيها الروعة فأغرقت سوح الجلسة بالجمال،نجوم سبحت من ملتقى النهرين،فجلبت الخير لملتقى الجبلين،فأعطت المكان عبق العلم والأخلاق والوقار والخلق النبيل،كان الاحتفال خليطاٌ من السمر والتدارس، وكان عنوان الحوار هو القطار، زملاء أعزاء من كل انحاء السودان ،تحدثوا بحب عن القطار ،قصصه وذكرياته وفقشاته، وكانت المحصلة أن عودة السودان إلى بهائه القديم مع المعاصرة والمسايرة للتطور لا يتم إلا بعودة المؤسسات الوطنية مثل مشروع الجزيرة والسكة الحديد التي انصهرت فيها قبائل السودان المختلفة وانتجت مجتمعا مدنياُ جديداُ.

تأملت الحضور من القامات المضيئة فوجدت وطناُ داخل قاعة ،فمنذ حضوري إلى حائل الجميلة رافقت الأستاذ الدكتور السر أحمد سليمان(علم النفس التربوي) وهو رجل (نادرعلى طريقته) كما يقول (الطيب صالح) يجمع بين العمق والعلم& والتواضع ، ويحاول دوماُ أن يختبىء وراء انجازاته ولا يتحدث عنها ،هو قصص متنوعة من البذل والعلم والتأهيل والخبرة والتجارب،وجدت هناك أيضاُ الأستاذ الدكتور ابرهيم عثمان حسن (مناهج وطرق تدريس الرياضيات) وقبل ذلك كنت قد التقيت به عندما جاء زائراُ (الأحساء) العام الماضي متفقداً طالبه المرحوم الدكتور عبد الباقي نورين ثم مرة أخرى معزياُ في وفاته،.جاء إلى هناك لا لاشىء إلا لتلكم النزعة الانسانية المتجذرة في دواخله ،في هذه الجلسة أيضاُ التقيت الأستاذ الدكتور معتصم الرشيد غالب (تربية خاصة)جلست بجانبه وكنا نتجاذب أحاديث خاصة وتكلمنا كما لو أننا نعرف بعضنا البعض منذ مدة طويلة،بعض الناس تظهر فيهم سريعاُ مسحة الحكمة والتوازن ،تعرفت في هذه الجلسة أيضاُ على الدكتور خالد محجوب عبد الله(مناهج)،وبدى لي أنه رجل واسع الرؤية سامق النظر كقوامه،فيه روح من الدعابة والخيال وهي من سمات المنفتحين على الآخرين،التقيت أيضاُ بالأستاذ الدكتور عبد الرحمن أحمد حجة (علم النفس) وهو رجل عميق التحليل وافر المعرفة ،يحب الاستماع أكثر من الحديث،له مقدرة كبيرة على قراءة الواقع،فقد نقل حوار جلستنا بذكاء وحكمة ليكون عن (القطار والسكة الحديد) ،وهو بذلك وضعني في المكان الذي أحب والرجل في روحه وحديثه قبس من السكة الحديد.

ما زلنا في هذه الجلسة (الحائلية) الجميلة ،وممن عرفتهم الدكتور نور الدين عيسى آدم (المناهج وطرق تدريس الفنون)، وهو شاب سريع الدخول إلى القلب و(حكاء) من الدرجة الأولى ،وفيه روح الفنان القاص،فقد حكى بطريقة درامية قصة (ياسر نعناع) وهو بائع متجول في قطار الرهد نيالا،متخصص في بيع النعناع لبائعات الشاي في المحطات،كما أنه ينتهز فرصة وقوف القطار لبيع بضائع متنوعة يفرشها على الرصيف،(ياسر نعناع ) مشهور في كل المحطات يعرفه المأمور وناظر المحطة والكسماري والقطرجي والمحولجي وبائعات الشاي،وله صداقات خاصة مع (الشماسة) الذين يرافقون القطار وبعض النشالين المتخصصين في القطارات،يٌخيل لي أن مثل (ياسر نعناع) هو الوسيط بين أفراد المباحث والنشالين في التسويات وإنهاء بعض حوادث السرقات الخفيفة دون اللجوء للقضاء،(ياسر نعناع) قصة مكتملة لسيناريو فلم ممتع للمشاهدين.

في هذه الجلسة أيضاُ التقيت برجل وقور هو الدكتور أسامة مرزوق (علم النفس)،وهو رجل رشيق الحوار صاحب قفشات وقصص وحكايات،وهناك أيضاُ الدكتور عبد الناصر عابدين(تربية بدنية) عاشق الملتقى ،حيث انتقل من مسقط رأسه توتي إلى ملتقى نهر النيل مع نهر عطبرة حيث حي الداخلة العريق بعطبرة،فاصطبغ اللقاء معنى في دواخله ،فأصبح الدكتور عبد الناصر مقصد اللقيا والتواصل كما اللقاء في توتي والداخلة.،في هذه الجلسة التقيت أيضاُ بالدكتور عبد الوهاب محمد علي (فيزياء)وهو رجل هادىء الطباع تخرج منه االكلمات بحكمة وتروي،وكانت فرصة طيبة أيضاُ أن التقي بالأستاذ الدكتور عبد الرحيم عوض أستاذ النساء والتوليد بكلية الطب وفيه نفس من أخلاق عمه وصهره أستاذي بروفسير علي محمد شمو،ذات السلوك،وذات الأخلاق الرفيعة والأدب والتهذيب والتواضع الجم والمهارة في الحكاء والسرد.وفي طريق عودتي اصطحبني الدكتور أمير الدليل(اللغة العربية)،ووجدناه كما أهل اللغة رقي وعمق وعلم وبساطة.

أما صديقي العزيز الدكتور محمد علي أحمد سليمان(تقنيات تعليم) فهو قصة طويلة من الانسانية المتدفقة ،والصبر على تحصيل العلم،والصبرأيضاٌ على الناس وتحملهم ،رجل له مقدرة كبيرة على ايجاد الأعذار للآخرين ودود حد الود، لطيف حد اللطف،وحباه المولى ميزة الخلق الرفيع والهدوء والحكمة وكثير من اليقين، وقد كنت محظوظاُ أن زاملته لسنوات بعطبرة.

أكتب هذا المقال وأنا أغادر (حائل)،حاملاُ أجمل المعاني في دواخلي وأروعها، وستظلون لوحة أنيقة أتاملها كلما جاء ذكر الكرم السوداني والتواصل والتوادد ،أسممحوا لي أن أكتب في دفتر لقائي بكم ان العظمة أخذت بعضها منكم.

ونواصل… بإذن الله

error: Content is protected !!