أقلام النهار

غضبة الجمارك .. وقبضتها !- تحليل سياسي : محمد لطيف

صبيحة الرابع والعشرين من سبتمبر 2019 .. كنت في طريقي الى رحلة خارجية ضمن وفد رسمي .. وشاء حظى أن تطلق البوابة الإلكترونية صافرتها حين عبرت .. فأمرني مسئول الجمارك بتكرار العبور .. فانطلقت الصافرة ثانية .. رغم تجردي من كل شيء .. إلا ملابسي .. فأصر على تكرار العبور مثنى وثلاثا .. فانتبه أحدهم إن كنت احمل بطاقة فى جيبي .. و بالفعل كانت البطاقة الممغنطة مصدر التحذير .. وأنا أتهيأ لعبور البوابة الأخيرة .. ارتكبت فيما يبدو خطأ قاتلا .. فقد قلت لمسئول الجمارك .. إن كنتم بهذه الدقة فكيف يتسرب الذهب من بين ايديكم .. فإذا به يقطب جبينه ويكشر عن أنيابه .. و يأمرني بالعودة الى حيث يقف معاليه .. ثم أخذ حقيبتي اليدوية وبعثرها على الطاولة ..وبدأ في إجراء فحص دقيق على كل محتوياتها ..حتي صباع المعجون لم ينج من ضغوط قاربت حد التفريغ .. وحين انتهى .. لم يمهلني حتى لإعادة محتويات حقيبتي المبعثرة.. بل أمرني بالتوجه لغرفة صغيرة في الجوار .. أدركت حينها أن سيادته يخوض (معركة كرامة ) متوهمة فى مواجهتي .. سأكون فيها أنا الخاسر وإن إنتصرت .. فقررت إلتزام الصمت والصبر.. توجهت الى الغرفة .. ليشرفني سيادته بالحضور بعد مدى زمني غير مبرر .. وبدأ فى إجراء تفتيش دقيق على جسدى .. حتى كدت أصدق أني أخفي شيئا.. غير أنني وأنا أجمع أشتاتي وأتجه نحو البوابة الأخيرة لم أنس أن أودعه بعبارة .. مبروك شغلك نضيف ..!
تذكرت هذه الواقعة .. عن غضبة الجمارك .. مقارنا بينها وبين قبضتها التى إرتخت بما يهدد لا إقتصادنا الوطني .. بل أمننا القومي .. ولست من أنصار إطلاق الأحكام .. ولا أرى أن ذلك من أدوار الصحافة .. خاصة فى قضية شائكة .. مثل قضية تهريب الذهب عبر مطار الخرطوم .. ولكن ما حفزني للكتابة تلك الوقائع المريبة .. والتي تبدو كمحاولة لطمس شيء ما .. منها ذلك الظهور الغريب لمسئول الجمارك .. وهو يتحدث للإعلام .. موزعا الأوسمة والأنواط على مرؤوسيه .. فهذه لوحدها تستحق التدخل .. إذ يبدو أننا أمام مسئول .. لا يعرف واجباته ومهامه .. والأسوأ من ذلك .. أننا أمام مسئول .. يخطيء ولا يدرى أنه مخطيء .. بل هو يرى ذلك الخطأ إنجازا يستحق الإحتفاء والتقدير .. والأسوأ من كل هذا أن إجابات مسئول الجمارك .. قد اثارت أسئلة جديدة .. اكثر من كونها قدمت إجابات مقنعة لمن إنتظرها .. فواحدة من الأسئلة الملحة .. هي دواعي تلك العجلة فى مخاطبة الإعلام ..؟ أم تصور سيادته أنه بهذه العجلة والإفادات المرتبكة سيحصن نفسه ومرؤوسيه ..؟ ثم ألا يرى ذلك المسئول أن أية بضاعة خرجت من المطار دون إلتزام الإجراءات الرسمية هي مسئولية الجمارك ..؟ فوجود منافذ لا تسيطر عليها الجمارك .. وهي تعلم بها .. لا تعفيها من مسئولية التجاوزات التى تقع فيها .. بل تظل الجمارك هي المسئول الأول عن تلك الثغرة .. والآخرين يأتون بعدها .. أما الواقعة الأكثر غرابة فذلك الإحتفال الذي قيل أن الشركة المالكة للطائرة .. قد نظمته تكريما لأحد منسوبيها ..فالحقيقة الوحيدة المؤكدة الآن أن الذهب قد وجد داخل الطائرة .. عليه كان حريا بالشركة .. بل ومن أوجب واجباتها .. أن تعرف هي اولا ثم تكشف للرأي العام .. كيف وصل الذهب الى جوف الطائرة .. بل وتحت مقاعدها .. لأن ذلك يجعل إجراءات الأمن والسلامة في طائرات تلك الشركة على المحك .. فالذى يضع ثمانية عشر كيلو جراما من الذهب .. بكل إطمئنان ..داخل طائرة .. قادر على وضع تسعمائة جرام من المتفجرات .. كفيلة بتفتيت الطائرة .. إذن من مصلحة الشركة المالكة قبل غيرها .. ان يعرف الناس .. من الذى وضع الذهب وكيف ..لا من إكتشفه..!

error: Content is protected !!