أقلام النهار

حسن فضل المولى يكتب : .. من العوم إلى التعويم ..

كلمة ( العوم )، لها وقع جميل في قاموس الغناء السوداني ..
يا وِزينة عُومِي الموج رِسا ..
وليه يا الوِزة ما بتعومي ..
ويا الوِزينة عومي الليلة
وفِجِّي الموج تعالي علينا ..

وعوَّم يُعَوِّم تعويماً وهو مُعَوَّمٌ .
وعوَّم المَرْكِب ، إذ جعلها تطفو فوق السطح و تسبح ..
و ( الصِدير العايم ) أي المُشرئب ، الطليق ، المتحرر من القيود ..
ومن هنا نخلص إلى معنى تعويم ( الجنيه ) السوداني ..
ولا أنا غلطان ..

وأنا رغم اختلافي مع كثير من سياسات ( حكومة حمدوك ) ، إلا أني أرى أن قرار ( التعويم ) هو قرار شجاع ، تأخر كثيراً . ورغم وطأته الثقيلة على المواطن ، ومضاعفة معاناته ، إلا أنه لا فكاك منه ولا خلاص إلا به ..
( والمبلولة ما بتخاف من الرشة ) ..

و منذ أن كان الدولار يساوي ثلاثة جنيهات ، كنت أرى ضرورة تحرير سعر الصرف ، وكذلك الأمر بالنسبة لتحرير أسعار المحروقات ، وأذكر أنني في إحدى المؤتمرات الصحفية ، لرئيس الوزراء ، يومها ، ( معتز موسى ) ، وكان منقولاً على الهواء ، إقترحت عليه إستحداث سعرين للمشتقات البترولية ، ثم شيئاً فشيئاً رفع الدعم بالكامل ، وفي ذلك محاربةٌ للسوق السوداء ، وضبط للإستهلاك ، وإرساء للسياسة القويمة ، في التخلص من التشوهات المُعِيقة لأي بناء نهضة ..

ورغم أن هذا القرار ، كان يحتاج لترتيبات وضمانات ، لم تتوفر له ، إلا أنه وقد وقع ، وأصبح نافذاً ، فيلزمنا جميعاً أن نتفانى في إنجاحه وإمضائه ..

إن القائمين على السياسة المالية في البلاد ، عليهم أن يتصدوا بذكاء وعزيمة وطولة نفَس لمحاولات المضاربين ، والذين لن يصمدوا لوقت طويل ، وذلك بالمرونة ، والتحرك إلى الأمام ، وعدم التوقف، فإذا ظهر أي فَتْق يجب المسارعة إلى رتقه ، قبل أن يتسع على الراقع ..

وعلى البنوك أن تعلن ( حالة استنفار ) وتتحلى بالسرعة القصوى في إعطاء المتعاملين معها أموالهم ، من تحويلات أو ودائع ، في اللحظة التي يطلبونها ودون أي ( تعقيدات ) و ( مماحكات ) و( لولوة ) ، وإلا فإنهم سيهجرونها ويلجأون مرة أخرى إلى السوق الموازية ، والتي هي في انتظارهم على أحرَّ من الجمر ..

كذلك درجنا في كل مرة نتخذ فيها مثل هذه السياسات ، أن نلجأ للمغتربين ( الحيطة القصيرة ) ، وكأنهم وحدهم المعنيين بإنجاح أي سياسة . والمغتربون ، علاوة على الظروف الصعبة التي يقاسونها ، فإن ما يرسلونه من مبالغ ، هي مصاريف أهلهم وأبنائهم ، لن تفي وحدها بالغرض إذا لم يبادر إلى ذلك الجميع .. وأول المبادرين يجب أن يكونوا أنصار النظام ،أي نظام ، من أصحاب الأموال ، والذين يَدَّعون حمايته والتضحية من أجله ، فعمل صاحب المال الصالح لا يستقيم بقيام الليل ، وادعاء البطولات الزائفة والمجانية ، بل ببذله وتسخيره للصالح العام ..

واليوم أمام هذا التحدي ، و قبل أن نطلب من الآخرين ، فإني أتوقع من الذين يتصدرون المشهد ، من أصحاب الأموال ، وهم معلومون ، إلى التدافع ، و إستدعاء جزء من أموالهم وإيداعها لدى البنوك السودانيه ومباشرة التعامل عبرها .. وقالوا : ( البكا بحرروهو أهلو ) ..
وإن كان كلنا في الهم أهلٌ ..
وأصحاب وجعة ..

أقول قولي هذا ، وأنا لا أفهم كثيراً في الإقتصاد ، إلا أن هذا الأمر ظل يؤرقني كثيراً ، ولقناعتي بأن نجاح هذه السياسة سيحقق قدراً من الإستقرار والإعتدال ، وفشلها يعني أن ( الوزينه ) غرقانه غرقانه ، و على السودان السلام ..
والسلام

error: Content is protected !!