أقلام النهار

في بريد الاذاعة..هــــــنا ام درمــــان

بقلم محمدنور الساري

قدرنا كسودانيين ان نختلف على كل شي؛ في الفكر، والسياسة، والاقتصاد. لكننا نجتمع بكل حب وانتماء على صوت واحد هو (هـــــنا ام درمان) . لا أدري من أين أتى سحر هذا الاسم والذي اكتنز كل هذا التطريب..احسب ان سر الحكاية في المدينة الساحرة أمدرمان هذا الاسم الذي ظل صداه يتردد على آذان المستمعين منذ ثمانين عامآ دون توقف، فكانت أمدرمان المدينة مِلكا للجميع مثلما كان صوت هنا ام درمان يصدح في الارجاء… يُعبّر عن انتماء السودانيين لهويتهم الثقافية والابداعية فكانت أمدرمان الإذاعة حاضرة تواسي الناس في اتراحهم؛ وتصلهم في افراحهم. كانت صوت كل حاضر وبادي.
ثمانون عامآ تنقضي من انطلاقة صوتها الصداح الذي لايشيخ وكل ما مضت الايام زاد صداها تعتقا وقوةً ونضارا… بدأت هنا أمدرمان وكبرت مع الايام وقوي عودها وهاهي تتخطى الثمانين وهي تفخر كل الفخر بأنها أعظم مؤسسة سودانية على الإطلاق ترقد على رصيد معرفي وثقافي نادر، ما ساومت يوما ولاخانت تاريخها ولم تتنكر، بل ظلت متماسكة قوية رغم العواصف، وهاهي تعبر بكل جسارة، ورصيدها الوحيد جنودها الأوفياء من العاملين الذين تشربوا بحبها وعشقها، تستمع الي اعمالهم تخالهم يعيشون عيشة الاباطرة والملوك من حسن ما يختارون من إبداع اذاعي، لكنك ما ان تجلس لاحدهم الا واصابتك الدهشة؛ كيف لرموز اعلامية ومبدعين من ممثلين ومخرحين وصحفيين وموسيقيين ان يعيشوا كفافا ورغم ذلك يبدعون..؟
الا يكفي بعد الثمانين ان تتغير الصورة ويستريح مبدعو بلادي مثلهم ومبدعي كثير من الدول التي عرفت الانتاج الإذاعي بعدنا بعشرات السنين.؟ الا يمكن بعد الثمانين ان يفخر اهل الإذاعة بما قدموا ويحصدوا نتاج ذاك الإبداع في ابسط احتياجات الحياة بعد نزولهم من الخدمة.؟
بكل أسف يحدث عكس ذلك تماما، ولم نرَ طوال الثمانين عاماً واحداً مبدعاً من الإذاعيين اكمل هذا المشوار وهو راضٍ( إلاّ على ماقدم من إبداع.) لكن تتنازعهم ظروف الدهر، الا من رحم ربي او من غادر الي بلاد أخرى..
ليتنا بعد الثمانين ان نَجرَدَ الحساب ونعيد النظر في مستحقات الخدمة المدنية تجاه أولئك ونكرم من أحترقوا من اجل اسعاد مجتمعنا السوداني فمنهم من هم أحياءٌ يرزقون ولكنهم على أعتاب الرحيل..
العرفان والتقدير للذين حافظوا لنا على هذا الإرث التاريخي دون تزييف ليظل صوت هنا أمدرمان حبا خاصا ومميزا مع الايام والسنوات في ذاكرة الأجيال….

error: Content is protected !!