جمهوري يرد على بكري المدني – في هذه الحالة الإنسان يكون هو الله -!

بسم الله الرحمن الرحيم

انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا
صدق الله العظيم

*العين الثالثة*

(1)
……………..

أطّلعت على تعليق الأستاذ بكري المدني على كتاب د.عمر القراي “المهدية”؟!، والذي جاء بعنوان: القراي- المهدية والجمهورية!
خلاصة المقال انه لا يختلف مع القراي حول خطل فكرة المهدية، على حد قوله، عند السيد محمد أحمد بن عبدالله بل يمكن أن يزيد على نقد القراي خروج السيد محمد أحمد وتمرده على (الإمبراطورية الإسلامية مما أضرّ بالأمة والسودان والإسلام كثيرا).
من الواضح جداً أنه بنقده للسيد محمد أحمد بن عبدالله أراد أن يؤسس عليه نقده لأفكار الأستاذ محمود محمد طه عن (الأصالة) و (أن يكون الإنسان الله) والتى وصفها بأنها أكثر (خطلا.. وأشد خطرا على الإسلام والسودان) ممّا جاء به السيد محمد أحمد بن عبدالله، كما أضاف لتلك الأفكار بعض الإعتراضات السياسية، مثل اعتراضه على ثورة رفاعة باعتبارها ضد محاربة عادة الختان الفرعوني الضارة، وهي على حد قوله (من إرث الإستعمار الجيد فى السودان) كما أضاف لنقده تأييد الأستاذ محمود محمد طه لثورة مايو!!
أبادر بالإشارة إلى خطل رأي السيد المدني فيما يخص الإمبراطورية العثمانية والتى وصفها بـ “الإسلامية”!!.
كانت الإمبراطورية العثمانية ملكا عضوضا. قال النبي الكريم (الخلافة بعدي ثلاثون عاما ثم تكون ملكا عضوضا).
مفارقة الإمبراطورية العثمانية لمبادئ الإسلام، نصا وروحا، لاتحتاج لـ “درس عصر”، فتداول السلطة فيها يقوم على “التوريث”، علماً بأن سيدنا أبوبكر لم يورث محمد بن أبى بكر، وسيدنا عمر لم يورث عبد الله بن عمر!
أكثر من ذلك، فإنّ النبي، صلى الله عليه وسلم نفسه، لم يحدد خليفة له، فترك الأمر للصحابة ليختاروا خليفتهم، مؤسساً بذلك لمبدأ الشورى، فاختار الصحابة سيدنا أبا بكر بناءاً على العطاء والسبق، وعلى إشارة النبي صلى الله عليه وسلم ، عندما قدّمه للصلاة أيام توّعكه، فقالوا: (لقد إرتضاه رسول الله لديننا، أفلا نرتضيه لدنيانا؟!)، هذا مما يؤكد مخالفة الدولة العثمانية لمبدأ الشورى.
أسوأ من ذلك، فقد يحدثنا التاريخ بأنه ما أن يعتلي الوريث الجديد العرش حتى يبادر إلى قتل أخوانه المنافسين له قتلا حسيا، ثم أصبح، فيما بعد، قتلا معنويا، بمعنى أن يضع الخليفة الجديد منافسيه فى الإقامة الجبرية ثم يلهيه بالجواري “الحريم” والخمور.
عليه، يحسب للسيد محمد أحمد المهدى وقوفه أمام استبداد الإمبراطورية العثمانية التى يصفها السيد المدنى بالإسلامية!!! فيقود الشعب السودانى فى ثورة قاهرة لتحرير السودان من الإستعمار التركي المصري، دون شعوب الوطن
العربي قاطبة مما يؤكد أصالة الشعب السوداني!!! وتجذر روح الثورة فيه!!!.

إن وصف السيد بكري المدني للإمبراطورية العثمانية بالإسلامية’ والإسلام منها براء يطعن فى فهمه للإسلام!! ويكشف خلل موازين التقييم والتقويم عنده!!! يؤكد ذلك الخلل طعنه فى ثورة الشعب السوداني التي كان الشباب من الجنسين ولا يزالون فى طليعتها !!! وهى لا تزال تتلمس طريقها لتتجاوز كل المطبات والوهاد التي يصنعها ويضعها أمامها أعداؤها من رموز النظام البائد. إن عباراته التى تقرأ: (بالنسبة للثورة والدولة ما الضامن من النتائج الماثلة ألا نحصد مر الثمر من الثورة المعاصرة التى يشكل القراي وحزبه جزءا منها مثل ماحصد أجدادنا أو ابناؤنا من حنظل المهدية الثورة والدولة مر الثمر) فهى تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك إنه لا ينتمي لثورة الشعب السوداني بل ينتمي او يوالي القبيل الذى ثار الشعب ضده ولا يزال، (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ) هذا القبيل يعمل لإجهاض ثورة الشعب!!..
مما يؤكد فقدان السيد بكري المدني، للعين الثالثة، أعني عين العقل المحايدة، فقد قفز فوق حنظل ثورة الإنقاذ المر ليحدثنا عن حنظل الحكومة الإنتقالية ونحن نجزم أن الفاعل واحد!!! فالذى صنع حنظل حكومة الإنقاذ هو نفسه من صنع حنظل الحكومة الإنتقالية.. إن ما قامت به الإنقاذ من قتل خارج القانون بلغت جملته التراكمية فى جنوب السودان مليوني قتيل!! انتهى بفصل الجنوب!!! وفى دارفور تتحدث إحصائيات الأمم المتحدة عن ثلاثمائة ألف قتيل!!!(حتى الآن لم أجد أي مبرر لمجازر دارفور’اللهم إلا أن يكون عدم التوفيق!! كما يقول أستاذ عبد اللطيف عن الاخوان المسلمين بانهم: (موفقين فى عدم التوفيق). كما لا يزال الرئيس المخلوع عمر البشير يغالط فى رقم الأمم المتحدة!!! ويعترف بعشرة ألف فقط!!! أما رب العزة فيقول:
(مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ
فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا) من قتل نفسا واحدة!! فكأنما قتل جميع الناس!! أما الفساد المالي فتشهد عليه بيوت الجالوص التي أصبحت بقدرة قادر عمارات تناطح السحاب هذا خلاف الشركات والعملات المحلية والأجنبية!!! وما علموا أن الشرفاء ظلوا يسكنون بيوت الجالوص يزبلونها فى مطلع كل خريف!!! بروث الابقار!! وهم القادرون على سكن الفلل بحقهم إلا أنهم اختاروا أن ينحازوا للمستضعفين وظلوا كذلك إلى أن اعتلوا عرش المقصلة! في وقفة ضد الظلم وضد القهر وضد تشويه الإسلام! يلوحون لشعبهم بابتسامة!!! أمام الموت!!! حقاً (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) أما الفساد الأخلاقي الذي إقترفه رجال الإنقاذ فهو أمر يندى له الجبين!! فإن قلمي أعفّ من أن يتلوث به!!!
والأدهى وأمر أن هذا من الفساد يتم باسم الله (هى لله!! هى لله!! لا للسلطة ولا للجاه!!) لقد نفّر قبيلهم هذا عن الإسلام فباء بذنبه وكذلك بذنوب الذين نفّرهم عنه فالتمسوا حلول مشاكلهم فى الفلسفات المادية العلمانية.. فاصبح مثلهم مثل التي (اكلت حنضلة وخافت من البطيخة) أجل !!! لقد نفَّرواعن الإسلام فباءوا
بذنوبهم وذنوب من نَفَروا عنه!!
(2)

أما حديث الأستاذ محمود عن الأصالة.. فكل يوم تؤكد البحوث العلمية دع عنك حقائق الدين أن الفردية هى الأصل.. ليس كل شخص فحسب متفرد عن غيره، بل كل ذرة من ذراري الكون!! تختلف عن غيرها وتتميز بسمات تميزها عن غيرها.. وقد أكَّد القرآن أمر الفردية بما لا يدع مجالاً للشك!!! فقال على سبيل المثال لا الحصر:
(وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)
(وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا). وحتى فى الأعمال الجماعية فإن الفردية واضحة.. بمعنى أن جماعة المصلين التي تصلي خلف إمام واحد وتؤدي نفس الحركات، فإن أمرها يقوم على الفردية!!!
بمعنى أن تحقيق كل فرد يختلف عن الآخرين!! فمنهم من يتقبل الله منهم على تفاوت بينهم!!! ومنهم من وقعوا تحت طائلة: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) فلم تزدهم صلاتهم من الله إلا بُعدا..كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رب مصل لم تزده صلاته من الله إلا بعدا) أما إذا كانت الصلاة كما قال عنها: (الصلاة معراج العبد إلى ربه!!) وهى بلا شك كذلك!!! فإذا قال قائل أني صليت بإتقان فعرجت بى صلاتي إلى ربي..هل الأجدر بنا أن نقول له: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) أم نتخذ من عجزنا فضيلة فننكر عليه!! فقط لأننا عجزنا أن نعرج لله (ذي المعارج) بذات المعراج الذى جاء به سيدنا محمد وظل يعرج به فيحقق الإلمامة التي حققها ليلة المعراج بواسطة جبريل فأبدله الله الصلاة معراجا له ولأمته بدلا عن جبريل عليه السلام!!! السؤال الذى أرجو الإجابة عليه عندما قال صلى الله عليه وسلم: (الصلاة صلة بين العبد وربه!!) أو (الصلاة معراج العبد إلى ربه) هل يعنى فعلاً ما يقول!!!
إن موضوع التقليد والأصالة يمكن أن يكون واضحا فى كل ضروب الحياة حيث يبدأ كل شخص مقلدا..
بمعنى أن التعلم يبدأ بالتقليد.. إلى أن ينضج المقلد فيصل إلى فرديته التى هى أصالته..هذا الأمر يعتبر بديهي فى كل ضروب الفنون!! إلا أنه قد شقَّ على الكثيرين فى أمر الدين!! أن لكل إنسان شريعته الفردية التي تميّزه عن الآخرين..(لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً) هذه الفردية ممكن للمجودين أن يحققوها بالصلاة فيصلوا فردياتهم فيسقط عنهم التقليد ولاتسقط عنهم الصلاة!!! بنيلهم لصلاة الأصالة!!! ويمكن للأقل تجويدا أن يحققوا فردياتهم داخل التقليد!!!ويمكن لغيرهم أن يحققوها بالموت!!! (لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) مما يعني (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا).

(3)

أما مسالة (ويكون الله)
فهو مقام مفتوح يستبق عليه العباد المجودين لعبادتهم فتؤهلهم لتحقيق العبودية. فالعبودية لله هى تكليف الإنسان الأساسي:
(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا* لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا* وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) بيد أن تحقيقها يتم عن طريق العبادة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) لقد ورد النص المعني كما يلي:
(وحين تطلع النفس على سر القدر ، وتستيقن أن الله خير محض، تسكن إليه، وترضى به، وتستسلم وتنقاد، فتتحرر عندئذ من الخوف، وتحقق السلام مع نفسها، ومع الأحياء والأشياء، وتنقي خاطرها من الشر، وتعصم لسانها من الهجر، وتقبض يدها عن الفتك، ثم هي لا تلبث أن تحرز وحدة ذاتها، فتصير خيرا محضا، تنشر حلاوة الشمائل في غير تكلف، كما. يتضوع الشذا من الزهرة المعطار.
ههنا يسجد القلب، وإلى الأبد، بوصيد أول منازل العبودية. فيومئذ لا يكون العبد مسيرا، وإنما هو مخير. ذلك بأن التسيير قد بلغ به منازل التشريف، فأسلمه إلى حرية الاختيار، فهو قد أطاع الله حتى أطاعه الله، معاوضة لفعله.. فيكون حيا حياة الله، وعالما علم الله، ومريدا إرادة الله، وقادرا قدرة الله، ويكون الله.
وليس لله تعالى صورة فيكونها، ولا نهاية فيبلغها، وإنما يصبح حظه من ذلك أن يكون مستمر التكوين، وذلك بتجديد حياة شعوره وحياة فكره، في كل لحظة، تخلقا بقوله تعالى عن نفسه، ((كل يوم هـو في شأن)) وإلى ذلك تهدف العبادة، وقد أوجزها المعصوم في وصيته حين قال ((تخلقوا بأخلاق الله، إن ربي على سراط مستقيم)) وقد قال تعالى ((كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)).
وفي حق هؤلاء قال تعالى ((لهم ما يشاءون عند ربهم، ذلك جزاء المحسنين)) فقوله تعالى ((لهم ما يشاءون)) يعني هم مخيرون وقوله ((عند ربهم)) يعني مقام العبودية، لأنه لا يكون عند الرب إلا العبد، وقوله ((ذلك جزاء المحسنين)) يعني بالمحسنين من أحسنوا التصرف في الحرية الفردية المطلقة، وذلك باستعمالها في تحقيق العبودية لله، فإنه تعالى قد قال ((وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون)).
ههنا منطقة فرديات، والشرائع فيها شرائع فردية، والداعية فيها إلى الله، الله نفسه..)
محمود محمد طه الرسالة الثانية من الإسلام الطبعة السادسة نوفمبر
١٩٨٦م ربيع الأول ١٤٠٧ ص٩٠-٩١ هذا هو النص الذى جاء فيه (أن يكون الله) فهو نص مفتوح لكل عبد مُجوٍّد..من حقه أن ينافس الآخرين عليه!!!
وليس حصريا للأستاذ
(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ).
(4)

أما مأخذك على الأستاذ بأنه أيّد ثورة مايو، فقد أكّد لي شيئين!! الأول: عدم الدقة والثاني: عدم المصداقية!!!
أما عدم الدقة فيتمثل فى أن الأستاذ محمود أيّد ثورة مايو وعارضها!!! أيّدها فى صدرها عندما كانت علمانية!! وعارضها عندما تردت فأصبحت دينية.. الموقفان مبنيان على شعار الحزب الجمهوري الخالد: الباطل العريان خير من الباطل الملتحف قداسة الإسلام!!!
ومن المعلوم أن الأحزاب الطائفية أجهضت ثورة أكتوبر ١٩٦٤م
عندما عطلت المادة ١٠٢ روح الدستور التى تنص على حرية الرأي وحرية التنظيم فعطلت الديمقراطية وفرضت الدكتاتورية المدنية!!! وعليه حلت الجمعية التأسيسية الحزب الشيوعي وطردت نوابه من البرلمان!!!
فى هذا المناخ الدكتاتوري تحركت الانظمة الدكتاتورية فى مصر عبر الأزهر وفى المملكة العربية السعودية عبر رابطة العالم الإسلامى وفي السودان عبر وزارة الشئون الدينية بالإضافة للأخوان المسلمين والوهابيين والطائفيين فشكلوا محكمة الردة للأستاذ محمود محمد طه فحكمت في ١٨ نوفمبر ١٩٦٨ بردة الأستاذ محمود
حكما غيابيا إذ لم يمثل الأستاذ أمامها ليؤكد لمن عسى أن يحتاج لتوكيد أن المحكمة الشرعية التى هي غير قادرة أن تجبر المتهم على أن يمثل أمامها..لا تملك مشروعية حكمه دع عنك تكفيره!!!
فى هذا الوضع الدكتاتوري المضطرب قام انقلاب مايو والذي يحسب له أن أوقف الأحزاب الطائفية من تشويه الإسلام وإستغلاله فى ضرب مخالفيهم
فى الرأي..
فى هذا الوقت كان أمامنا خيارين لا ثالث لهما: أن نؤيد مايو أو نعارضها فأيدناها تأييدا سلبيا.. خارج مؤسساتها!!!
فى ذلك الوقت كان السلفيون من أخوان مسلمين.. ووهابية وطائفيين يعملون ضدها ويتعاونون مع الأجنبي (الغزو الليبي نموذجاً) ولما فشل كيدهم الخارجي قرروا مصالحتها مصالحة كشفت الأيام أنها كيداً من الداخل بغرض اختراقها ليكملوا ما قطعت عليهم الطريق دون تحقيقه ألا وهو الدستور الإسلامى المزيف!!! بغرض تصفية خصومهم السياسيين. وبدأنا ننصح مايو ونحذرها من الخطر الماحق الذى يتهددها ويهدد الشرفاء!! إلا أنها لم تستبن النصح إلا ضحى الغد!!! وبعدت الشقة بيننا وبينها..فعندما أعلنت قوانين سبتمبر..أعلنَّا معارضتها جهارا نهارا ..(فحدث ما حدث) فكان تنفيذ حكم محكمة الردة ذلك الحكم الذى صدر بكل أسف فى الوضع الديمقراطي!!!
بعد كل هذا يلقى الأستاذ بكري المدني الحديث على عواهنه!! فيأخذ على الأستاذ أنه ايّد ثورة مايو!!!
أما عدم المصداقية فيتمثل فى أنه يأخذ على الأستاذ محمود تأييده لثورة مايو كناصح أمين من خارج مؤسساتها.. ولا يأخذ على نفسه والتنظيم الذى الذى يواليه تأييدهم لها تأييدا إيجابيا.. من داخل مؤسساتها الحيوية كالنائب العام!!! والقضاء.!!!
(5)

جرد الحساب:-
خلاصة القول، إن الثورة المهدية نجحت كثورة أجلت الإستعمار التركي -المصري عن السودان!! إلا أنها فشلت كدولة.. تقف من مكونات الشعب السوداني على مسافة واحدة مما جعلها تشعل حروباً قبلية صارخة حتى فى غرب السودان حيث انطلقت دع عنك وسطه وشماله (الكبابيش، الرزيقات …الخ) نماذجا..لغرب السودان ورفاعة الهوي والعقليين نموذجا لوسطه! ‘والجعليين نموذجا لشماله!!
اضف لذلك عداوات غير مبررة مع المجتمع الخارجي الإقليمي (مصر واثيوبيا نموذجا) والدولي (انجلترا نموذجا)
بالإضافة لفشلها فى إدارة الإقتصاد!! (مجاعة سنة ستة) التي اهلكت ثلثي الشعب السوداني!!!
هذا خلاف مصادرتها للراي الآخر متمثلا فى محاربة الطرق الصوفية والمذاهب الفقهية السنية دون أن تنتج بديلا لها!!!
أما (الأستاذ محمود والحزب الجمهوري فهم أهل فكرة تدعو للحرية والسلام والعدالة) لم تخرج طوال تاريخها عن هذه الشعارات.
فهى دعوة للحرية فشعار الحزب الجمهوري الحرية لنا ولسوانا!!!
…………..
ويتم تحقيق الحرية على مرحلتين المرحلة الأولى الحرية المقيدة وهي: أن تفكر كما تريد وتقول
كما تفكر وتعمل كما تقول، وتتحمل نتيجة فكرك وقولك وعملك وفق القانون الدستوري!!
المرحلة الثانية الحرية المطلقة وهى أن تفكر كما تريد وتقول كما تفكر وتعمل كما تقول ثم لا يكون نتيجة فكرك وقولك وعملك إلا خيراً بالأحياء والأشياء..
فتحقق السلام الداخلي فتكون فى سلام مع نفسك تنشر حلاوة الشمائل’فى غير تكلف اما العدالة (ان تقيم الوزن بالقسط ولا تخسر الميزان) فتقيم العدل بين الفرد والجماعة وبين نفسك والآخرين!!!
هذا هو المنهج الذي دعا له الأستاذ وقد دعا له بالإسماح!!! (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إ)
فإن اتبعته فمأجور ، وإن لم تتبعه فموفور. لعمري هذه قمة السماحة!!!. عاشها الأستاذ حتى منصة المشنقة..
فأين الخطورة من فكره؟؟؟
ولعمرى إن مكمن الخطورة فى الفكر السلفي حيث وُجِد عند الأخوان المسلمين أو الوهابية أو الطائفيين أو الدواعش…إلخ الذين يفرضون وصايتهم على الآخرين.. ويعتبرون الآخر هو عدوهم الأول!!! وينسون قول المصطفى (إن أعدى أعدائك نفسك التى بين جنبيك!!!) او قول رب العزة فى محكم تنزيله
(عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)
أو قوله لرسوله عيسى عليه السلام: ياعيسى عظ نفسك!! فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فستحى مني!!!
إذن..خلاصة الخلاصة هناك ثلاثة تنظيمات
او إن شئت فرق……. حاولنا تقييمها:
*المهدية، نجحت كثورة حررت السودان من الاستعمار التركي المصري وفشلت كدولة تقف على مسافة واحدة من مكونات الشعب السوداني العرقية والثقافية!! (فدخلت فى صراع قبلي وكفّرت الآخر (من شكَّ فى مهديتي فقد كفر!!!) وعادت المجتمع الإقليمي والدولي دون مبرر!! وكذلك
فشلت فى إدارة الإقتصاد فكانت مجاعة سنة ١٣٠٦ هجرية التى راح ضحيتها ثلثي الشعب السوداني!!! *الفكرة الجمهورية من الناحية النظرية، هى دعوة مبنية على فهم القرآن والسنة النبوية ومبوبة فى أكثر من خمسمائة مرجع وكتيب إلا أنها لم تدخل حيز تنظيم الدولة بعد!!! أما من ناحية التطبيق الفردي فهى دعوة لتقليد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم!!! شعارها: (بتقليد محمد تتوحد الأمة ويتجدد دينها) فانتجت قامات
حققت قدرا مقبولا من الحرية، والسلام والعدالة.. وإن كانت لا تزال بعيدة عن القامات المطلوبة!! إلا أن يتغمدهم الله بفضله!!
(ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)

الأخوان المسلمون: أما تنظيم الاخوان المسلمين فقد فشل فشلا ذريعا فى تربية أفراده فانشغلت قياداتهم بالدنيا متجاهلين تحذير المصطفى صلى الله عليه وسلم فتنافسوها فأوردتهم موارد الهلكة!!!
كما رأوا الآخر عدواً لهم.. ونسوا قوله صلى الله عليه وسلم (إن أعدى أعدائك نفسك التى بين جنبيك!!!).* بل ونسوا قوله سبحانه وتعالى (عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) أو قوله لرسوله عيسى بن مريم عليه السلام: (يا عيسى عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحى منى) يقول المثل السوداني:
(الجمل ما بشوف عوجة رقبته!!!)
*تحكى الأحاجي السودانية أن الإنسان والثعبان اتشاكلوا فقال الإنسان للثعبان أنت أسوأ مخلوقات الله!! فرد الثعبان بل أنت!! أنا ما بعتدي على الآخرين إلا دفاعا عن نفسي!! أما أنت فحياتك تقوم على الإعتداء على الآخرين!!فدخلوا فى مغالطة!! فقال الثعبان للإنسان: نحتكم!
فبدأوا بأقرب حيوان لهم فكانت البقرة!!
فسألها الثعبان:
أسوأ أنا أم الإنسان؟
فقالت ليه: الإنسان دا أسوأ منه الله ما خلق!!!
أنا أديهو اللبن ليهو ولى أولاده، فيذبحني ويشويني ويأكلني!!!!
فذهبوا للشجرة فقال الثعبان للشجرة: أحسن أنا أم الإنسان؟
فقالت ليه: حاشاك!! شن بجيبك إنت للإنسان عدو المخلوقات كلها: أنا أديهو الثمر والضل ليهو ولى أولاده.. فيقطعني ويحرقني ويسويني فحم وتاني يجي يحرقني لينجض أكله وشرابه…
فطفقا يطوفان على المخلوقات.. فخسر الإنسان الجولة خسراناً مبينا!!!.

الدكتور على أحمد إبراهيم
* أستاذ التاريخ – جامعة النيل الأزرق

error: Content is protected !!