أقلام النهار

أبابيل – عمار باشري

الشهيد الصابونابي..رصاصة في الرأس

قال الله تعالي في كتابه الكريم :
{ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّص بِكُمْ أَنْ يُصِيبكُمْ اللَّه بِعَذَابٍ مِنْ عِنْده أَوْ بِأَيْدِينَا } (٥٢) سورة الانفال ( وليست المائدة ).
﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾ (٣٣) الإسراء .
وتجلدي  للشامتين  أريهم
أني لريب الدهر لا أتضعضع
( ابوذؤيب الهذلي) .
________
دمع الاحزان صهيل
صوت مخنوقٌ يأتي
من قاع البحر ؟
من هول الظُلمة لا ادري ؟!
من اي مكان يأتي ..
من عبث الكون المسكون ؟
صحراء بلادي المنسية ؟
ام من ذاكرة الايام المطويّة
قصص وجراح واسيّة ..
صفحته كانت بيضاء
زانتها حواشيٍ ورديّة
ورحيق أياديٍ علويات
لمكارم كانت مَرْويّة
ذبُلَت أغصان البُستان
رحلت أسرابٌ كانت
تصدح بالآذان
والبهجة غابت في الأكوان
وامتد فراغ بالوجدان
سقطت اغسان الزيتون
سقطت رايات الحريّة
ماااا أجمله ..
كان نسيماً يهدي الأفراح
يقتسِم الحُزنَ ويطِبُ جراح
يهتف باسم الحرّية
ماااا انبَله ..
عاش بسيطاً بين الناس
محبوبا تهواه الأنفاس ..
يهتف باسم الحرّية
(٢٠يونيو ٢٠٢٠م ) في ليل مظلم منزوع الرحمة والانسانية سكت الصوت وهدأت النفس المطمئنة الزاكية ؛ وصعدت الروح الطاهرة لباريها لتلحق بركب الصادقين الاطهار في علياءهم باذن ربي ورحمته تاج السر علي حمد وسراج الدين محمد الحسن الفحل وهيكل والنجومي وياسر الاسد ومعاذ التوم. إنه الشهيد
(محمد احمد بن عبدالله الصابونابي)
دققوا في الاسم قليلا أنه درب الدعاة والشهادة ارادة الله وفضله يؤتيه من يشاء وشهادته لا يختص بها الا صفوة الاصفياء . الشهيد الخريج المهندس بجامعة بحري ( جوبا) لم يتسلم شهادته الجامعية بعد ولكن كان سابقا بصدق وعزم لشهادة أخري بشوق فضّاح ودعاء ملحاح وهو يردد ( وعَجِلتُ اليكَ ربي لترضي ) ولان لبي نداء ربه بِرِضاً فإن الله ليس بغافلٍ عن السامري ولا قوم تُبّع وعبده عجل العلمانية والسفور والنفاق (قَال فَاذْهَب فَإِنَّ لَك في الْحَيَاةِ أَن تَقُول لَا مِساس ۖ وَإِنَّ لَك مَوْعِدًا لَّن تخْلَفهۖ وَانظُر إِلَى إِلَٰهِك الَّذي ظَلْت عَلَيه عَاكِفًا ۖ لَّنحَرِّقَنَّه ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ في الْيَمِّ نَسْفًا)
وعند سماعي نبأ شهادة (الصابونابي)كنت احدّث نفسي واطيل النظر وارجع بالذكري لايامٍ خوالٍ مضت كطيف من حلم ونحن في بداية المرحلة الثانوية مبهورين بالقميص الابيض والبنطلون البُبي {وحركة الاسلام} تصْرِب خيامها خلف الجبل فتيّة مفتولة العضلات لحيتها مشذبة بأناقة يعلوها قليل من شيب الوقار وجبينها يتلألأ تواضعاً وأدباً ؛ تأكل وتمشي وتعيش بين النّاس ولم تُقبل عليها الدنيا بغَنَجِها وطرفها المكحول وضحكتها البتول ومكرها وسحرها الخدّاع ومضجعها بئس المتاع . والمذيع بصوته الجهوري ينقلنا لجلالات الدّيش ( وصونا قالو لينا الشردة عيب وشينة )والتي وقعها علي نفسي وكل صبي في عمري ذاك الحين كوقع حبات ابوقَلَنْجَة مسبحة جدي ( الخليفة علي ودالعز ) وقد هجع الناس وهو غارقُ في اوراده وراتب الخَتِم . فاصل ثم الاناشيد الجهادية التي كان يرددها الجميع بعذوبة وفخر واعتزاز ورزم علي وقع ورجز الشهيد الصحابي الجليل عبدالله بن رواحه رضي الله عنه (أقسمت يانفسي لتنزلن ) ورائعة الاديب الشاعر والوزير الهرم المحجوب (الي العُلا الي العُلا وأبعثوا مجدنا الآفلا واطلبوا لعلاكم مزيد للعلا.. )
ويطل صوت شاب تترقرق بين ثناياه السكينة وتزحمه المواجد كانما هو في عجلة من امره ليلحق بصاحب الخبر انه ينعي للامة السودانية استشهاد طالب السنة التانية بكلية التربية جامعة الخرطوم (ابودجانة الزبير علي) السكن الخرطوم الجريف غرب محطة السينما ولكم ساقتنا الاقدار ليصبح منزل اسرة الشهيد ابودجانة منزلنا الثاني رفقة المجاهد الوسيم شقيقه الاصغر محمد من طلب الشهادة وسعي لها فتمنّعت عليه وأكتفت واكتفي بشرف اللُقيا وبشارة المناجاة .
ما أشبه الليلة بالبارحة فدجانة من الابكار والبدريين بعد سفر طويل مع موكب النورانيين ورحلة الشهادة من شباب السودان وحركة الاسلام مطلع التسعينيات . والصابونابي سيسجل التاريخ بمداد من دمه الذي روي ارض الخرطوم أنه من ابكار الشهداء ضد جبروت وظلم وديكتاتورية حكومة الجوع والفقر والموت لا يحمل الا ايمانه الواثق بين ضلوعه وجسده النحيف الضامر وسُمرته الكبرياء وجبهة طال سجودها لربها لا تعرف الركوع لسواه . إن الرصاصة الجبانة المتَعَمَّدة الغادرة لم تغتال الشهيد الصابونابي تصيبه في رأسه بين عينيه لا تخطأه ولكنها اغتالت الشعار الجميل في عنوانه ومعناه والرايات المرفوعة والهتاف الذي خدع الشارع ومكر بالشعب لكنها اغتالت السلام لتعُم الفوضي وتحولت الحرية لرصاص وبارود في صدور الابرياء والاحرار والعُزّل امثال الشهيد ومن سبقوه وانضمت العدالة وما اندثر من قيم ومبادي الي كتيبة العنقاء والخِلّ الوفي وأغتالت الاحلام والفرح والابتسام وأنتزعت الدموع وضوء الشموع ومنعت حتي امه واخواته وعشيرته من النواح المباح لانه لا صوت يعلو علي
{ شكراً حمدوك } والموت صار بحتاج لصك براءة بخاتم الديكتاتوريين الصغار الجدد .
لن يذهب دم الشهيد الصابونابي سليل الملك عمارة دنقس ومملكة سنار كليلة حمراء في نادي مغلق باحدي صالات الخرطوم التي كما حلّ بها الوكلاء وعملاء الفرنجة حلّت بها المناقص ونواقض الصلاة ولكن ستنبت بين الركام والاذي والجُرح غابات الهشاب والجميز وبساتين البرتقال واشجار الحنّاء ؛ تُظلل الناس من سموم الطاغوت وتثمر وتهدي العطر والرياحين .
أفواج وركبٌ من اهل الصلاح والفتوحات ببلادي ستحمل الراية علي ذات خطي الشهيد بصدور مكشوفه لا يرهبها رصاص الجُبن . وأيادي تحمل الخير للناس وقلب عامر بالحب والتقوي يهدي كل حائر ويسقي كل ظامئ خالٍ من الغبينة ستمضي بفكرها ودعوتها .
نعم فالسواعد الخضراء المسالمة والاوجه المعفرّة بالتراب المومنة بالحرية قيمة وفرض وليست فتات خبز ولا ثوب يخلع ولا لافتة تُعلّق حتماً تنتصر وتهزم مشروع الاستبداد وتثأر للشهداء ولكل أمٍ سُلِبت مُتعة الجرتق لابنها زغرودة تنهمر لا كالرصاص ولكن كالمطر .
ورحم الله الاديب الديبلوماسي الكبير (صلاح ا ابراهيم):‬
يا منايا حوّمي حول الحمى
 كلّ سمح النفس، ‬
بسّامِ العشياتِ 
‫الحليمَ العفّ ، كالأنسامِ روحاً وسجايا‬
‫أريحيِّ الوجه والكفّ افتراراً وعطايا‬
‫فإذا لاقاكِ بالبابِ بشوشاً وحفي‬
‫بضميرٍ ككتابّ اللهِ طاهرْ‬
‫أنشُبي الاظفارَ في اكتافِه واختطفي‬
‫وأمانُ الله مِنّا يا منايا‬ ‫كلّما اشتقتِ لميمونِ المُحيّا‬
ذي البشائْرشرّفي ‬
تجدينا مثلاً في الناس ..نقهر الموتَ حياةً ومصائرْ‬.