أقلام النهار

تعسف لجنة .. المفصولين تعسفيا !(2)- تحليل سياسي : محمد لطيف

لخصنا بالأمس إعتراضنا على منهج لجنة إعادة المفصولين .. فى أنها ذهبت مباشرة فى النظر فى حالات المفصولين .. لتقرر بعدها .. مباشرة ايضا .. إعادة من تنطبق عليه شروط الإعادة .. مع المعالجات اللازمة للآخرين ..وقلنا أنه كان حريا باللجنة قبل ذلك .. أن تنظر فى أوضاع مؤسسات الخدمة العامة .. وما إذا كانت مؤهلة لإستيعاب القادمين الجدد .. مهيأة لذلك .. هيكليا وماليا وإداريا .. ثم والأهم من ذلك .. أن اللجنة الموقرة تجاهلت السؤال المحورى .. هو مدى جاهزية الإقتصاد السودانى لإستيعاب هذه الأعداد الكبيرة .. القادمين بسنوات خبرة طويلة .. حيث أن واحدة من شروط التعويض ..إلحاق كل مفصول بدفعته .. وهذا حقه على كل حال .. مما يرتب على إعادتهم إلتزامات مالية ضخمة .. توازى سنوات خبرتهم المفترضة ..نقول المفترضة .. لأن جل من فصلوا من وظائفهم .. قد سلكوا مسارات أخري و حصلوا على تخصصات مختلفة .. وقليل اولئك الذين استمروا فى ذات مهنهم أو تخصصاتهم .. مما يجعل من عودتهم لمؤسساتهم .. إضافة لها ..!
ولعل النقطة الأخيرة هذه تفرض سؤالا مهما .. هل درست اللجنة الموقرة واقع المؤسسات التى تعيد اليها مفصوليها ..؟ من حيث قدرة هؤلاء العائدين على المواكبة .. مواكبة التطور .. ومواكبة نظم العمل الجديدة التى ولا شك قد طالت الكثير من المؤسسات ..؟ ثم هل نظرت اللجنة الموقرة فى الوضع الوظيفى للموجودين بالفعل داخل تلك المؤسسات .. ؟ من حيث تأثر فرص الترقى والتقدم أمامهم بوصول هؤلاء العائدين ..؟ قد يقول المنطق والعدالة .. أن المفصولين من ضحايا النظام اولى من اولئك الموجودين داخل تلك المؤسسات .. لكن المنطق شيء والواقع يمكن أن يكون شيء آخر تماما .. وهو واقع لا خيار غير التعامل معه .. فكيف فكرت اللجنة فى معالجة منقصات الرضى الوظيفى .. للعائدين ولآولئك المقيمين على حد سواء ..؟
ذكرنا بالأمس أنه كان على اللجنة أن تراجع أوضاع المؤسسات التى فصل منها هؤلاء الضحايا .. و تلك التى لم يفصلوا منها .. لماذا ..؟ لأن إفتراض أن كل المؤسسات التى شهدت الفصل قادرة على إستيعاب منسوبيها السابقين إفتراض يجانبه الصواب .. لأن بعض المؤسسات قد جرفها تيار الخصخصة .. فلم يعد لها وجود أصلا .. ولأن مؤسسات أخرى .. قد تحولت الى مراكز إعاشة .. فأزدحمت بالمنسوبين والمحظوظين والمحظيين .. وليس فيها موطيء قدم لقادم .. ولأن بعض المؤسسات .. قد أصابها التدهور والوهن .. فتراجع أداؤها .. فعلى سبيل المثال .. فآخر قوائم أصدرتها اللجنة الموقرة .. بإعادة مفصولين فى عدد من المؤسسات .. فإن مؤسستين فى قطاع واحد .. تعمل إحداهما بعشرة فى المائة من طاقتها .. بينما تعمل الأخرى بثمانية عشرة فى المائة من طاقتها .. علما بأن هذا الوقت تحديدا هو ذروة الموسم فى ذلك القطاع .. ماذا يعنى هذا ..؟ هذا يعنى أن هذه نماذج حية لمؤسسات غير مؤهلة لإستيعاب العائدين اليها .. عليه فإن مراجعة شاملة لمؤسسات الخدمة العامة .. كانت ستتيح فرصة أفضل لحصر المواقع الشاغرة فى كل تلك المؤسسات .. وإستيعاب من تتوفر فيهم الشروط .. فى مختلف المواقع .. كان ذلك سيحقق نتائج مهمة تصب كلها فى خانة إصلاح الخدمة العامة .. ومن أهم تلك النتائج .. قطع الطريق على شبح فائض العمالة الذى يهدد الكثير من المؤسسات .. كما أن الإستيعاب وفق الحاجة الفعلية يرفع عن هؤلاء المستوعبين الإحساس أنهم مجرد أرقام إضافية دون حوجة حقيقية .. إن الإستيعاب وفق الحاجة ووفق الوظائف الشاغرة يقطع الطريق .. على نمو مشاعر .. بالتباغض والضيق محتملة .. بين العائدين والموجودين بالفعل .. !
وأخيرا وكما قلنا بالأمس .. فإن جعل مسئولية المعالجات المطلوبة لضحايا النظام السابق من المفصولين تعسفيا .. ايا كان شكلها .. على عاتق الدولة لا عاتق المؤسسات التى فصلوا منها .. يخرج هؤلاء الضحايا من تحت رحمة ظروف تلك المؤسسات .. ويجعل الأمر بندا ملزما من بنود الموازنة العامة .. لا بندا ثانويا فى فائض ميزانيات تلك المؤسسات ..!

error: Content is protected !!