أقلام النهار

المرأة ودورها في الحرب والسلام

♦️ جواهر احمد سليمان

يقول المفكر الدكتور جون قرنق دي مبيور عن المرأة:( إن المرأة هي مهمشة المهمشين ) كما تقول الأستاذة / يمينة حمدي الناشطة في قضايا المرأة 🙁 تغييب المرأة من مفاوضات السلام يقود المجتمعات إلي الحروب ..) ، بناءا الي هاتين المقولتين الصادقتين تقبع الحقيقة الماثلة ولطالما هنالك من يقف دوما سندا للمرأة ويدافع عن حقوقها فهذا مؤشرا إيجابيا بأن المرأة حتما ستصل ، بل تعزز هذه الوقفة مسيرة المرأة ويشجعها ويعطيها الدافع بأن تنتزع حقوقها وتتربع علي عرش دورها الريادي والطبيعي في المجتمع فلا ضاع حق من خلفه مطالب.
إذا سلمنا جدلا بأن المرأة هي من أكثر الشرائح ضررا أثناء الحروب وخاصة بأن المرأة تشكل حضورا مرئي للجميع في كل مراحل الحرب ، فكان لابد ان يكون لها دورا بارزا وفعال ايضا في صناعة السلام إستنادا علي المادة: 1325 من قرار مجلس الأمن حيث تنص علي أنه للمرأة دور حقيقي وفعلي في القضايا الدولية لكونها أكبر تضرر من النزاعات والحروب لاسيما أن المرأة لديها القدرة علي المشاركة في عمليات حفظ السلام وهن من أكثر الشرائح عرضت للتهميش والفقر والمعاناة الناجمة عن النزاعات المسلحة ، وبذلك نجد أن قضية المرأة لا تنفصل عن القضايا السياسية والإقتصادية عالميا ومحليا.
وإذا نظرنا لنساء العالم الثالث علي وجه الخصوص والسودان بصفة أخص فنجدهن من أكثر نساء العالم تعرضا للقتل وعمليات الإغتصابات الفردية أو الجماعية الممنهجة في الحروب وما أحداث تابت بدارفور بعيدة عن الأذهان كأكبر عملية إنتهاك ضد المرأة وستظل وصمة عار في تاريخ البشرية قاطبة ، فضلا عن الإنتهاكات المتكررة للمرأة في مناطق الحروب في كل من جبال النوبة والنيل الأزرق وكل مناطق الحروب حول العالم.
بناءا علي ما تقدم حينما نلقي بنظرة خاطفة للماضي القريب خاصة حول تجربتنا في المفاوضات حول قضايا الحرب السلام السابقة سواءا كانت في السودان أو في نواحي كثيرة من العالم فنجدها في معظمها إذا لم نقل في مجملها كانت حصرية يهيمن عليها القادة السياسيون والعسكريون الذكور فقط دون سواهم من النساء وبهذا النهج التقليدي أصبحت العملية غير كافية لمعالجة الصراعات المعاصرة المعقدة التي غالبا ما تكون فيها المرأة مشكلة حضورا فعليا. ولكن نتيجة لنضالات المرأة المتواصلة وهنا يجدر ذكر النساء بحركات النضال المسلحة اللآئي كن يشكلن حضورا بارزا جنبا الي جنب مع الرجال ولم تفصلهم حتي خنادق المعارك ، ونتيجة لتطور وعيهن بحقوقهن وقضاياهن والكفاح من اجلها ، أصبحت زيادة المشاركة الفاعلة للمرأة في الجهود المبذولة لصنع السلام ومنع نشوب النزاعات من الأولويات الرئيسية لإدارة الأمم وكان من أول قرارات مجلس الأمن هو ربط المرأة بخطة السلام والأمن وتناول آثار الحروب علي المرأة ومساهمة المرأة في الحل.
وما يحدث واقعيا في طاولة المفاوضات بمنبر جوبا بدولة جنوب السودان ما هو إلا إنعكاسا طبيعيا لهذا الواقع الجديد الذي فرض مشاركة المرأة وترجمة حقيقية لتلك الحقوق التي إكتسبتها المرأة من خلال نضالاتها الطويلة ، حيث تمثل المرأة حضورا أنيقا ومقدرا في طاولة التفاوض وبنسبة تقدر بأكثر من 20% وبالطبع هذا ليس بقدر الطموح ولكن بالتأكيد تقدم يستحق الملاحظة والإشارة إليه. وقد أثبتت المرأة قدرتها علي المشاركة الفاعلة من خلال حضورها وبالتالي لم تترك مجالا إلا وان تأخذ حقوقها كاملة غير منقوصة. وللوصول الي تلك الغاية فلابد للمرأة بأن تتحرر من نظرة المجتمع القاصرة التي تقدق في كمالها ووصفها بالناقصة وتجعل منها كائن ضعيف لا يقوي علي فعل شئ ، تلك النظرة التي كانت لها إنعكاسات سيئة ومدمرة لنصف المجتمع بل وأزيد ويكفي قول الشاعر : إذا النساء نشأن في أمية × رضع الرجال جهالة وخمولا .. الأمر الذي جعل من بعضهن يستسلمن ويستكن لهذه المظالم التاريخية رغم أن الحقيقة تقول بأن المرأة قد مورس عليها الإستضعاف وهي لم تكن ضعيفة علي الإطلاق . ومن هنا يجب علي المرأة الإنتباه والسعي دوما علي إسترداد مكانتها المسلوبة ، وعلي المرأة السودانية علي وجه الخصوص عليها أن تقتحم كل المجالات لتنتزع حقوقها دون تقديم تنازلات مخلة ولا تنتظر أن تمنح لها تلك الحقوق حتي تلحق برصيفاتها حول العالم. وفي تقديري أن من بشريات السلام القادم وواقع ما بعد الثورة أن هنالك سانحة حقيقية للمرأة أن تجد فرصتها الكاملة لكي تنهض بترتيب نفسها وتنفض الغبار الكثيف من حولها نتيجة للتركة المثقلة التي خلفها النظام البائد وسعيه الدائم في التعدي علي حقوق المرأة ومصادرة حريتها وإنتهاك كرامتها ، وعليها ان تنطلق دون تردد لتؤسس لدورها الطبيعي والريادي في المجتمع ، وتهيأ نفسها وتستعد بكل ثقة وبشتي الوسائل الضرورية لدعم موقفها.وان عملية السلام ليست بالسهلة كما يظن البعض بل هي عملية دقيقة تتطلب كثيرا من الصبر والتفكير الخلاق لوضع حد نهائي للاسباب التي ادت الي نشوب الحروب, وهذا ما يتطلع اليه في فترة ما بعد ثورة ديسمبر المجيدة لتحقيق شعار (حرية, سلام, عدالة), ولا بد من ان تعمل المرأة سويا علي توفير الحاضنة السياسية القادرة علي انفاذ اتفاق السلام المتوقع التوقيع عليه بجوبا في مقبل الايام, ليس هناك مستحيل تحت الشمس فكل شئ قابل للتطويع طالما ان المصلحة العليا هي استدامة السلام وعدم العودة للحرب مرة اخري,وعلي المراة بان تفكر بشكل خلاب وإيجابي وان تتعامل مع الواقع السياسي بنوع من الاخلاقية والانسانية والا تجعل من ملف السلام حصان طروادة لتمرر عبره الاجندة الحزبية والمشاريع السياسية بالذات في هذه الفترة الانتقالية التي تحتاج ان يعمل الجميع من اجلها بروح الفريق الواحد بكل تجرد ونكران للذات
ومن الإشراقات الحقيقية والبشائر التي يجب ان تزف للمرأة ، إن ما تم تقديمه في منبر جوبا للسلام من ملفات جادة تعني بقضايا المرأة إنه لأمر إيجابي له انعكاساته الإيجابية تتويجا لمسيرة نضالات المرأة الطويلة ، ولم يتم كل هذا بمعزل عن وجود المرأة كما كان يحدث في السابق بل كان بحضورها الفعلي المتفرد وذهنيتها المتفتحة و الحكيمة في إدارة قضايا الحرب والسلام والإيمان القاطع بضرورة مشاركتها، حيث كان الإتفاق بالأحرف الأولي بين طرفي الحركة الشعبية/ الجبهة الثورية والحكومة الإنتقالية في محور قضايا الحكم والصلاحيات والسلطات في المادة : 59-3 قد تحدثت بإستفاضة عن تعزيز دور المرأة ، وكذلك المادة: 12-4 تحدثت عن تمثيل النساء علي المستوي القومي ,والمادة 30-4 تمثيل النساء علي المستوي – التنفيذي ,والمادة 35 التمثيل علي المستوي التشريعي,والمادة 46-2 التمثيل علي مستوي مفوضية العودة الطوعية ) ويتم إشراكهن في كل العمليات الإدارية وهذا يعد انتصارا حقيقيا يحسب لصالح المرأة مقارنة بواقع مشاركتها فى السابق.
فكل ما تقدم يعزز من جعل المناخ ملائم وممكن للسلام المستدام ويمكن من الحياة والتمدد في ظل المتغيرات التي انتظمت الوطن ما بعد ثورة سبتمبر المجيدة ، الأمر الذي سيحدث نقلة إيجابية في مناطق النزاع ، وما كان لهذا أن يتم إلا نتيجة للوعي الكبير والمتقدم الذي قد بدأ ينتظم ويدب في شريان المرأة السودانية والذي له ما بعده في أن تتمكن النساء من رسم مستقبلهن حسب رؤيتهن ، وعدم الإنفراد بالقرارات المصيرية التي تخص حياتهن المستقبلية دون سواهن وهذه واحدة من فرص النجاح التي تضمن إستدامة السلام في البلاد .
وأخير أختتم حديثي بدعوة صادقة لكل نساء بلادي بأن يتحدن حول قضاياهن مهما إختلفن سياسيا ليتمكنن من ردم الهوة العميقة التي قللت من دورهن في المجتمع بفعل النظرة القاصرة وبسبب سياسات القوي الظلامية تجاههن وعدم إعترافها بحقوقهن ، ولابد لهن من الإستفادة من فرص السلام القادم في الأفق القريب لأنه بلا شك سيكون نقطة تحول حقيقية نحو الافضل لوضع حدا لمأساتهن الطويلة .

error: Content is protected !!